خطبة الكتاب
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي جعل لكل أمة شرعة ومنهاجا وخص هذه الأمة بأوضحهما أحكاما وحجاجا، وهداهم إلى ما آثرهم به على من سواهم من تمهيد الأصول والفروع وتحرير المتون والشروح لتستنتج منها العويصات استنتاجا وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله الذي ميزه الله على خواص رسله معجزة وخصائص ومعراجا صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه الذين فطموا أعداء الدين القويم عن أن يلحقوا بشيء من مقاصده أو مباديه شبهة أو اعوجاجا صلاة وسلاما دائمين بدوام جوده الذي لا يزال هطالا ثجاجا (وبعد) فإنه طالما يخطر لي أن أتبرك بخدمة شيء من كتب الفقه للقطب الرباني PageV01P002
والعالم الصمداني ولي الله بلا نزاع ومحرر المذهب بلا دفاع أبي زكريا يحيى النواوي قدس الله روحه ونور ضريحه إلى أن عزمت ثاني عشر محرم سنة ثمان وخمسين وتسعمائة على خدمة منهاجه الواضح ظاهره الكثيرة كنوزه وذخائره ملخصا معتمدا شروحه المتداولة ومجيبا عما فيها من الإيرادات المتطاولة طاويا بسط الكلام على الدليل وما فيه من الخلاف والتعليل وعلى عزو المقالات والأبحاث لأربابها لتعطل الهمم عن التحقيقات فكيف بإطنابها ومشيرا إلى المقابل برد قياسه أو علته وإلى ما تميز به أصله لقلته فشرعت في ذلك مستعينا بالله ومتوكلا عليه ومادا أكف الضراعة والافتقار إليه أن يسبغ علي واسع جوده وكرمه وأن لا يعاملني فيه بما قصرت في خدمه لا سيما في أمنه وحرمه إنه الجواد الكريم الرءوف الرحيم (وسميته تحفة المحتاج بشرح المنهاج)
قال المؤلف - رحمه الله تعالى - (بسم) أي أؤلف أو أفتتح تأليفي PageV01P003
والباء للمصاحبة، ويصح كونها للاستعانة نظرا إلى أن ذلك الأمر المبدوء باسمه تعالى لا يتم شرعا بدونه، وأصل اسم سمو من السمو، وهو الارتفاع حذف عجزه وعوض عنه همزة الوصل فوزنه افع وقيل افل من السيما وقيل اعل من الوسم وطولت الباء لتكون PageV01P004
عوضا عن حذفها، وهو إن أريد به اللفظ غير المسمى إجماعا أو الذات عينه كما لو أطلق لأن من قواعدهم أن كل حكم ورد على اسم فهو على مدلوله أو الصفة كان تارة غيرا كالخالق وتارة عينا PageV01P005
كالله وتارة لا ولا كالعالم، ولم يقل بالله حذرا من إيهام القسم وليعم جميع أسمائه تعالى
(الله) هو على علم الذات الواجب الوجود المستحق لجميع الكمالات لذاته PageV01P006
ولم يسم به غيره تعالى ولو تعنتا في الكفر بخلاف الرحمن على نزاع فيه، وأصله إله حذفت همزته وعوض عنها أل وهو اسم جنس لكل معبود، ثم استعمل في المعبود بحق فقط فوصف ولم يوصف به وعليه فمفهوم الجلالة بالنظر لأصله كلي PageV01P007
وبالنظر إليه جزئي ومن ثم كان من الأعلام الخاصة من حيث إنه لم يسم به غيره تعالى ومن الغالبة من حيث إن أصله الإله بالنظر لاستعماله في المعبود بحق فقط، وكان قول لا إله إلا الله كلمة توحيد أي لا معبود بحق إلا ذلك الواحد الحق ومن زعم أنه اسم لمفهوم الواجب الوجود لذاته أو المستحق للمعبودية، وكل منهما كلي انحصر في فرد فلا يكون علما لأن مفهوم العلم جزئي فقد سها ولزمه أن لا إله إلا الله لا تفيد توحيدا كما بينته في شرح الإرشاد من أله بكسر عينه إذا تحير لتحير الخلق في معرفته أو بفتحها إذا عبد أو من لاه إذا ارتفع أو إذا احتجب، وهذا لكونه نظرا لأصله قبل العلمية لا ينافي علميته وهو عربي ووروده في غير العربية من توافق اللغات كما أن الحق وفاقا للشافعي والأكثرين أن كل ما قيل في القرآن من غير الأعلام أنه معرب ليس كذلك بل عربي توافقت فيه اللغات ولا بدع أن يخفى على مثل ابن عباس كونه عربيا كما خفي عليه معنى فاطر وفاتح، وقد قال الشافعي - رضي الله عنه - لا يحيط باللغة إلا نبي ومشتق عند الأكثرين وقول أبي حيان في نهره ليس مشتقا عند الأكثرين لعله أراد من النحاة وأعرف المعارف وإن كان علما