بسم الله الرحمن الرحيم
وبه ثقتي
الحمد لله الذي أوجب على كافة الأنام، تعظيم هذا البيت الحرام، بأقصى غاية التعظيم، وأتحف اللائذين بأذياله -بما وقر في نفوسهم له- من نهايات الإجلال والإكرام والتفخيم.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة يستفتح بها كل مغلق عقيم، ويحيى بروح سرها كل عظم رميم.
وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله الذي قام بأعباء حرم بيته الأكبر، وأشادها على كواهل وارثيه ليذبوا عنها من بهذا الحمى الأقدس أراد أن يتسور. صلى الله عليه وسلم ، وعلى آله وأصحابه الذين ما زالوا معظمين لهذه البنية الشريفة، والكعبة المعظمة المنيفة، وعلى تابعيهم المبينين لأحكامها، القائمين بآدابها واحترامها، صلاة وسلاما دائمين بدوام سؤددها، باقيين ببقاء مددها. آمين.
وبعد:
فإنه ورد في أوائل تسع وخمسين وتسعمائة أوامر مولانا -سلطان الإسلام والمسلمين، ومبيد الكفرة والمبتدعة والملحدين، ظل الله في أرضه، القائم بأوفى غايات العدل في سننه وفرضه، الملك العادل الأفخم، والخاقان الكامل PageV01P023 المعظم، السلطان ابن السلطان، الحادي عشر من ملوك بني عثمان، الملك المظفر شاه سليمان، أدام الله على أهل الإسلام عدله ومسرته، وعلى أهل الشرك والبدعة سطوته ونقمته، وأباد بسيوف قهره وعدله غياهب المحن، ومواقع الفتن، وأدام ملكه الأعظم الأعدل الأفخم في ذريته الطاهرة، وبلغه أعظم مأمولة في الدنيا والآخرة، آمين- بترميم ما تشعث في الكعبة المعظمة، لعرض قاضي مكة، بسؤال سدنتها، على نائب مولانا السلطان بمصر المحروسة، الوزير علي باشا؛ فإن سقفها صار ينزل منه الماء الكثير من المطر، وإن ذلك ربما آذى وأضر.
فعرض علي باشا ذلك على أبواب مولانا السلطان الزكية، وسدته العلية، فتحرى -عز نصره، وزاد عزه وبره- جريا على ما انفرد به هو وجميع آبائه الأكرمين، من بين سائر الملوك والسلاطين، أن لا يبرموا أمرا إلا بعد مشاورة العلماء العاملين، لا سيما إمامهم ومفتيهم المقدم على جميع القضاة والمفتين.
واستفتى مولانا إنسان عين الزمان، وخليفة النعمان، ومحقق الأعصار المتأخرة، ومدقق المباحث العويصة المقررة، إمام الإفتاء بالباب العالي، المحفوظ بصلاح نية مولانا [السلطان] من صروف الأيام والليالي، عما أنهاه إليه سدنة الكعبة.
فأفتاه بما هو الحق الواضح، من إصلاحها على ما يليق بحرمتها.
فكتبت المراسم الحنكارية لعلي باشا، أن يعين لذلك من مماليك مولانا السلطان من يراه، فعين علي باشا لذلك الأمير أحمد بيك، رئيس كتاب خزانة مصر المحروسة، كان ذلك بعد أن عين له من الأموال ما يليق بذلك. PageV01P024
فقدم بها مع الآلات إلى مكة، ثم لما أراد الشروع في ذلك، نازعه فاتحها، فأحب الناظر أن لا يستبد بأمر حتى يجمع جمعا من علماء مكة؛ لينظر: هل يطابقون ما أفتى به مفتي السلطان أو يخالفونه؟
فأرسل هو وقاضي القضاء بمكة -الرومي الحنفي- إلى أولئك بعد صلاة الجمعة، سادس عشر شهر ربيع الأول سنة (959 ه)، تسع وخمسين.
وعقد مجلس حافل، وكان من جملة ما فيه، أن قال فاتح الكعبة: هي لا تحتاج إلى ما يريدون فعله فيها، فأحضر مهندس السلطان ومعه آخر، وشهدا أن فيها خشبتين مكسورتين من سقفها، وخشبة ثالثة لم تنكسر، لكنها نزلت عن محلها تسعة قراريط.