[رفع الشبه والريب عن حكم الإقرار بأخوة الزوجة المعروفة النسب]
تأليف كاتبه فقير عفو ربه وكرمه الملتجئ إلى بيته وحرمه عياذا به من بوائقه وزلله وجرمه أحمد بن حجر الهيتمي سامحه الله بغفرانه وأفرغ عليه سجال قربه ورضوانه إنه الجواد الكريم الرءوف الرحيم لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رافع غياهب الغويصات وغرائب المشكلات بواضح الدلائل ومانع ثواقب الأفهام عن سوابق الأوهام في معضلات المسائل ومانح سواطع البصائر أحكام البواطن والظواهر والظفر منها بكل طائل وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة أنجو بها من الهوى وأعوذ بها من التوى الموجب لاتباع الحظوظ والرذائل وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله سيد الأواخر والأوائل صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه صلاة وسلاما دائمين متكررين بتكرر البكر والأصائل آمين.
(وبعد) .
فهذا كتاب لقبته رفع الشبه والريب عن حكم الإقرار بأخوة الزوجة
المعروفة النسب دعاني إلى تأليفه أنه كان بلغني اختلاف علماء مصر فيها اختلافا كثيرا وتناقضهم في الإفتاء فيها تناقضا عجيبا شهيرا لكن على طريق الإجمال لا التفصيل فإنا لم نسمع ذلك إلا من غير ذوي التحصيل إلى أن قدم بعضهم إلى مكة المشرفة أواخر ذي القعدة الحرام سنة ثمان وخمسين وتسعمائة فأخبر بأن ما أشيع من اختلافهم ليس له أصل أصيل ولا عليه شيء من التعويل وإنما اتفقوا كلهم على جانب واحد هو حرمتها عليه ظاهرا لا باطنا وبذلك أفتى سبعة وعشرون شافعيا وشذ بعضهم فأفتى بالحل ظاهرا وباطنا وبعضهم فأفتى بالحرمة ظاهرا وباطنا فلما سمعت منه ذلك وكان مخالفا لما انقدح عندي في تلك المسائل تعجبت من هذه الإطلاقات وقلت لا بد وأن أنتدب لبيان ما في هذه المسألة من التفصيلات فحينئذ بادرت إلى بيان ما في كل من تلك الاحتمالات، ثم إلى ترجيح أظهرها نقلا وأدقها مدركا وعقلا وما عليه منها التعويل وما هو الأوفق بما حققوه من التفريع والتأصيل بتأليف هذا الكتاب ورفع ذلك الارتياب ورتبته على ثلاث مقدمات وثلاثة أبواب راجيا من الله الكريم الوهاب الإعانة والتوفيق للصواب مع القبول وجزيل الثواب لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه مآب.
(المقدمة الأولى) في بيان الواقعة بحسب ما بلغنا هي أن رجلا بدمنهور الوحش بلدة كبيرة بإقليم البحيرة من ريف مصر بينه وبين أخته المعروفة من أبيه تخاصم في إرث طال بينهما فيه التنازع وعظم التخاصم والتمانع وأراد أن ينجو منها بحيلة وإن باء بأقبح رذيلة فجاء بزوجته المشهورة النسب إلى قضاة الشرع وشهوده الذين خاصم أخته المعروفة إليهم بين أيديهم مرارا متعددة وأجلسها عندهم وقال لهم هذه أختي فلانة التي من أبي وقد أبرأتني فاشهدوا عليها فاسترعوا عليها فكشفوا وجهها، ثم كتبوا حليتها، ثم شهدوا عليها بالإبراء العام وحكم به فلما علمت الأخت جاءت إليهم منكرة عليهم فكشفوا سجلهم فرأوا حليتها غير ما عندهم فأحضروا أخاها ولم يزالوا به حتى أقر أنه اصطنع ذلك وافتعله ليبرأ عنها فقبض عليه، ثم اعترض عليه في بقاء زوجته بعد ذلك في عصمته فكتب سؤالا لمفتي تلك البلد فأفتى بتحريمها عليه فخالفه بعض فضلائها فأرسلوا يستفتون عن ذلك علماء مصر فقيل إن بعضهم أفتى بحلها له ظاهرا وباطنا وبعضهم بحرمتها كذلك وبعضهم بحلها باطنا لا ظاهرا، ثم رفع الأمر لحاكم الشوكة فنفذوا الإفتاء الأول ومكنوه منها واستمر على ذلك