[باب الاجتهاد]
(وسئل) - رضي الله عنه - عن رجل تحت يده غلات أوقاف متحدة المصارف أو مختلفتها من شخص أو أشخاص، فوضع غلاتها في مواضع فالتبست عليه فهل يسوغ له التحري فيها فإن قلتم: نعم فلو تحرى فلم يظهر له دليل، هل يضمن كما لو نسي الوديعة أم لا؟ فإن قلتم: نعم فما يكون حكم الغلات المشتبهة، هل يملكها الناظر وينفذ تصرفه فيها قبل الضمان أم لا؟
(فأجاب) - رضي الله عنه - بأن الذي يظهر من كلامهم أن من تحت يده الغلات المذكورة يجوز له التحري فيها إذا كان ناظرا عليها، بل يجب عليه إذا لم يكن له طريق سواه، وذلك لأنهم قالوا يجوز له التحري في الأموال المشتبهة؛ لأن الملك شرط لصحية التصرف ويمكن التوصل إلى معرفته بالاجتهاد لأن للعلامة فيها مجالا فشرع فيه الاجتهاد عند الاشتباه بعلامة تغلب ظن الملك في المأخوذ.
وغلبة الظن كافية في الأموال بدليل اعتماده على خط أبيه الموثوق به بدين وحلفه عليه، ومن ثم جاز الاجتهاد في المالين مع انتفاء أصل الحل في أحدهما اه. وهذا ظاهر إن لم يكن صريحا في جواز الاجتهاد للناظر في الصورة المذكورة فإن قلت: لا نسلم ظهوره في ذلك؛ لأنهم عبروا بالملك في قولهم، لأن الملك، وقولهم: يغلب ظن الملك، وهذا يقتضي امتناع الاجتهاد في ذلك قلت: التعبير بالملك، إما أن يراد به المعنى المقتضي لصحة التصرف الشامل لملك العين، وللولاية عليها وأما أن يراد به ملك العين فقط، وكلامهم يدل على أن المراد الأول؛ لأن المشترط لصحة التصرف هو عموم الأول لا خصوص الثاني.
ويدل عليه أيضا قولهم: وغلبة الظن كافية في الأموال أي في جواز التصرف فيها فإن قلت: ينافي ذلك أن أبا ثور لما سأل الإمام الشافعي - رضي الله عنه - عمن اشترى بيضة من رجل وبيضة من آخر، ووضعهما في كمه فانكسرت إحداهما فخرجت مذرة فعلى من يردها؟
قال له الشافعي اتركه حتى يدعى قال: يقول: لا أدري قال له الشافعي أقول له انصرف حتى تدري فإنا مفتون لا معلمون وهو بسكون العين وكسر اللام، وهذا كما ترى صريح في أن لا يجتهد في بيضة واحدة ويردها بالاجتهاد قلت: لا ينافي ما قررته لأن هذا لم يمنع فيه الاجتهاد لذاته؛ وإنما هو لما فيه من إلزام الغير بالاجتهاد، وذلك لا يجوز في الأموال كما قاله الزركشي قال: ومثله لو قبض من شخص دراهم فخلطها، فوجد فيها نحاسا.
ويحتمل هنا أن يجتهد إن كان ثم أمارة اه. والذي يتجه في هذه أنه إن أراد الاجتهاد؛ لإلزام الغير بجعل النحاس له لم يفده اجتهاده ذلك.
وإن أراد به تمييز حقه من حق غيره حتى يحل له تناول ما ظهر له بالاجتهاد أنه له جاز له ذلك فإن قلت: هل يلحق بالناظر الولي من الأب والجد والوصي والحاكم وقيمه إذا كان تحت يده أموال لمحاجيره والتبست، أو يفرق بأن الملاك هنا يرجى كمالهم واجتهادهم لأنفسهم فلا حاجة إلى اجتهاد الولي بخلاف مصارف الوقف إذا كانت جهات؛ لأنه لا يتصور منها اجتهاد، قلت: قضية تسويتهم في باب الوقف بين الناظر والولي في مسائل إلحاقه به هنا في أنه يجوز له التحري، نعم ينبغي له أن لا يفعله إلا فيما اضطر إلى التصرف فيه من أموالهم، وأما ما لا يضطر إلى التصرف فيه منها فيبقيه على اشتباهه الذي لا يضر به إلى كمال مالكيه وقد صرحوا بأن الاجتهاد يجب فيما اضطر إلى تناوله كشاة ميتة التبست بمذبوحة واضطر إلى الأكل، ويجوز فيما لم يضطر إليه فكذا يقال بنظير ذلك في الناظر والولي فإن قلت: ما ذكر في الناظر إنما يتجه إذا كان الوقف على جهات أو نحوها مما لا يتصور منه الاجتهاد.