المجلد الأول
مقدمة
...
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: فهده مقدمة موجزة، وعاجلة مختصرة، تنظم تعريفا بالشيخ العلامة تقي الدين ابن النجار الحنبلي وكتابه "شرح الكوكب المنير المسمى بمختصر التحرير" في أصول الفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل، كما تناول بيانا لعملنا ومنهجنا في تحقيقه.
المؤلف: أما المؤلف فهو الفقيه الحنبلي الثبت، والأصولي اللغوي المتقن، العلامة، قاضي القضاة تقي الدين، أبو البقاء، محمد بن شهاب الدين أحمد بن عبد العزيز بن على الفتوحي المصري الحنبلي، الشهير بابن النجار.
ولد بمصر سنة 898ه ونشأ بها وأخذ العلم عن والده شيخ الإسلام وقاضي القضاة، وعن كبار علماء عصره.. وقد تبحر في العلوم الشرعية وما يتعلق بها، وبرع في فني الفقه والأصول، وانتهت إليه الرياسة في مذهب الإمام المبجل أحمد بن حنبل، حتى قال عنه ابن بدران: "كان منفردا في علم المذهب".
وقد كان صالحا تقيا عفيفا زاهدا معرضا عن الدنيا وزينتها. مهتما بالآخرة وصالح الأعمال، لا يشغل شيئا من وقته في غير طاعة.. ومن هنا كانت حياته كلها تعلم وتعليم وإفتاء وتصنيف، مع جلوسه في إيوان الحنابلة للقضاء وفصل الخصومات.. ويحكى عنه أنه لم يقبل ولاية القضاء إلا بعد أن أشار عليه كثير من علماء عصره بوجوب قبولها وتعينه عليه، وبعدما سأله الناس إياها وألحوا عليها في قبولها، وقد كان خلفا لوالده في الإفتاء والقضاء بالديار المصرية. وحج قبل بلوغه عندما كان بصحبة والده في الحج، ثم حج حجة الفريضة في عام 955ه على غاية من التقشف والتقليل من زينة الدنيا، وعاد مكبا على ما هو بصدده من الفتيا والتدريس لانفراده بذلك.
قال الشعراني: "صحبته أربعين سنة، فما رأيت عليه ما يشينه في دينه، بل نشأ في عفة وصيانة وعلم وأدب وديانة، وما رأيت أحدا أحلى منطقا منه، ولا أكثر أدبا مع جليسه منه، حتى يود أنه لا يفارقه ليلا ولا نهارا".
وبالجملة، فلم يكن هناك من يضاهيه في زمانه في مذهبه، ولا من يماثله في منصبه، وهو الإمام البارع في الفقه الحنبلي وأصوله، وصاحب اليد الطولى والباع الكبير في تحرير الفتاوى وتهذيب الأحكام، وقد ظل مكبا على العلم، ينهل من معينه، ويدرس ويصنف ويفتي مذهب الإمام أحمد ويحرره إلى أن أتاه المرض الأخير الذي وافته المنية فيه، وذلك عصر يوم الجمعة الثامن عشر من صفر سنة 972ه، فصلى عليه ولده موفق الدين بالجامع الأزهر، ودفنه بقرافة المجاورين.
أما مصنفاته، فأشهرها كتاب "منتهى الإرادات في جمع المقنع مع التنقيح والزيادات" في فروع الفقه الحنبلي، وهو عمدة المتأخرين في المذهب، وعليه الفتوى فيما بينهم، إذ حرر مسائله على الراجح والمعتمد من المذهب، وفد اشتغل به عامة طلبة الحنابلة في عصره، واقتصروا عليه.. ثم شرحه شرحا مفيدا يقع في ثلاثة مجلدات، أحسن فيه وأجاد، وكان غالب استمداده فيه من كتاب "الفروع" لابن مفلح، وقد طبع هذا الكتاب طبعة علمية مدققة بتحقيق الأستاذ الشيخ عبد الغني محمد بن عبد الخالق جزاه الله خير، ومن أبرز شروح المنتهى وأجودها شرح العلامة منصور بن يونس البهوتي المتوفى سنة 1051ه، شيخ الحنابلة في عصره، وذلك في ثلاث مجلدات كبار، وهو مطبوع مشهور متداول.