(فأجاب) بأن من المعلوم أن الشيخين رحمهما الله قد اجتهدا في تحرير المذهب غاية الاجتهاد ولهذا كانت عنايات العلماء العاملين، وإشارات من سبقنا من الأئمة المحققين متوجهة إلى تحقيق ما عليه الشيخان والأخذ بما صححاه بالقبول والإذعان مؤدين ذلك بالدلائل والبرهان، وإذا انفرد أحدهما عن الآخر والعمل بما عليه الإمام النووي المذهب
وما ذاك إلا لحسن النية، وإخلاص الطوية وقد اعترض على الشيخين وغيرهما بالمخالفة لنص الشافعي وقد كثر اللهج بهذا حتى قيل: إن الأصحاب مع الشافعي كالشافعي، ونحوه مع المجتهدين مع نصوص الشارع ولا يسوغ الاجتهاد عند القدرة على النص. وأجيب بأن هذا ضعيف فإن هذه رتبة العوام أما المتبحر في المذهب فله رتبة الاجتهاد المفيد كما هو شأن أصحاب الوجوه الذين لهم أهلية التخريج والترجيح، وترك الشيخين لذكر النص المذكور لكونه ضعيفا أو مفرعا على ضعيف وقد ترك الأصحاب نصوصه الصريحة لخروجها على خلاف قاعدته، وأولوها كما في مسألة من أقر بحريته ثم اشتراه لمن يكون إرثه فلا ينبغي الإنكار على الأصحاب في مخالفة النصوص، ولا يقال لم يطلعوا عليها، وإنها شهادة نفي بل الظاهر أنهم اطلعوا عليها وصرفوها عن ظاهرها بالدليل ولا يخرجون بذلك عن متابعة الشافعي كما أن المجتهد يصرف ظاهر نص الشارع إلى خلافه لذلك، ولا يخرج بذلك عن متابعته وفي هذا كفاية لمن أنصف.
[شخص قال إن الله تعالى بجهة العلو، وإنه استوى على العرش]
(سئل) عن شخص قال إن الله تعالى بجهة العلو، وإنه استوى على العرش استواء يليق بجلاله بلا
كيف واستدل على ذلك بقوله تعالى {إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي} [آل عمران: 55] وبقوله {ذي المعارج} [المعارج: 3] {تعرج الملائكة والروح إليه} [المعارج: 4] وبقول صاحب الرسالة، وإنه فوق عرشه المجيد بذاته وبقول ابن عبد البر في شرح الموطأ حيث ذكر حديث ينزل ربنا وبما ذكر أبو حنيفة في الفقه الأكبر وهو بعد أوله بنحو ورقتين وبما نقل عن ابن رشد الحفيد في كتابه المسمى بالكشف عن مناهج الأدلة حيث قال القول في الجهة، وأما هذه الصفة فلم يزل أهل الشريعة يثبتونها حتى نفتها المعتزلة ومتأخرو الأشعرية كأبي المعالي ومن اقتدى بقوله إلى أن قال فقد ظهر أن إثبات الجهة واجب شرعا وعقلا إلى آخر كلامه، وبقول عثمان بن سعيد الدارمي في الرد على بشر المريسي بما هو معلوم في موضعه وبما قاله الأشعري في كتابه الإبانة وبما قاله الشيخ عبد القادر في كتابه الحلية من قوله وهو بجهة العلو إلى آخر كلامه، فما مذهب الأئمة الأربعة مالك والشافعي، وأبي حنيفة وابن حنبل في هذا القول هل هو صحيح أم لا وهل في كلامهم نص في إثبات هذا المعنى أو نفيه، وإذا لم يكن في كلامهم نص في إثبات ذلك ولا نفيه فما حقيقة مذاهبهم في ذلك
والمقصود من هذا الجواب عن هذا السؤال بما هو نص لهؤلاء الأئمة ونظرائهم لا بما قاله بعض مقلدي هؤلاء الأئمة فقد يكون غير ما قاله إمامه فقد وجدنا الشيخ جلال الدين المحلي نقل في شرح جمع الجوامع على القول بالتأويل ومعنى {استوى على العرش} [الأعراف: 54] استولى وقد قال ابن رشد في أول كراس من المقدمات ومن قال إن الاستواء بمعنى الاستيلاء فقد أخطأ؛ لأن الاستيلاء لا يكون إلا بعد تعاليه وقهره ولو كان ما قاله الجلال المحلي نقلا للشافعي لما قال ابن رشد هذه العبارة وغير ذلك من الأسباب المقتضية لتطلب نص الأئمة ونظرائهم، والمقصود إمعان النظر في هذه المسألة والجواب بما يجب المصير إليه في ذلك وقد ذكر القرطبي في تفسيره أنه ذكر في هذه المسألة أربعة عشر قولا أودعها كتابه الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى، وإذا قلتم إن مذهب الأئمة فيما قاله هذا القائل إنه غير صحيح فماذا يلزمه بينوا لنا الجواب بيانا شافيا مبسوطا واذكروا ما قاله الأئمة الأربعة معزوا كل قول لقائله؟