ومحصل ما أجاب به العلماء عن الحديثين وغيرهما مما
اختلفت الأجوبة بأنه أفضل الأعمال أن الجواب اختلف باختلاف أحوال السائلين بأنه أعلم كل قوم بما يحتاجون إليه أو بما لهم فيه رغبة أو بما هو لائق بهم أو كان الاختلاف باختلاف الأوقات بأن يكون العمل في ذلك الوقت أفضل منه في غيره فقد كان الجهاد في ابتداء الإسلام أفضل الأعمال؛ لأنه الوسيلة إلى القيام بها والتمكن من أدائها وقد تظافرت النصوص على أن الصلاة أفضل من الصدقة، ومع ذلك ففي وقت مواساة المضطر تكون الصدقة أفضل أو أن الأفضل ليست على بابها، والمراد بها الفضل أي من أفضل الأعمال فحذفت من وهي مرادة أو أن المراد بالأعمال في غير الحديث الأخير البدنية للاحتراز عن الإيمان؛ لأنه من أعمال القلوب فلا تعارض بينه وبين الحديث الأخير.
[العمى هل يجوز على الأنبياء]
(سئل) عن العمى هل يجوز على الأنبياء فإن بعض العلماء نقل عن الأشعري امتناع وقوعه، وإنما وقع لسيدنا يعقوب وشعيب غشاوة وقيل بل عمى ورد الله عليه بصره لما جاءه القميص وقيل إن المسألة في شرح المقاصد؟
(فأجاب) نعم يجوز العمى على الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - وقد حكي وقوعه لسيدنا يعقوب
وشعيب فقد اختلف الأئمة في تفسير قوله تعالى {وابيضت عيناه من الحزن} [يوسف: 84] فقيل إن العبرة محقت سوادهما وقلبته إلى البياض وقيل ضعف بصره وكان يبصر يسيرا وقيل عمي ست سنين قاله مقاتل قال بعضهم وهو الظاهر لقوله تعالى {فارتد بصيرا} [يوسف: 96] إذ ما سوى البصير هو الأعمى وقال السبكي الحق لم يعم نبي أبدا، وإنما حصل ليعقوب غشاوة وزالت ولم أر المسألة في شرح المقاصد ولكن فيه أن من شرط النبوة السلامة من العيوب المنفرة كالبرص والجذام ونحو ذلك.
[الفرار من الطاعون والدخول عليه هل هما حرامان]
(سئل) عن الفرار من الطاعون والدخول عليه هل هما حرامان أم لا أم الفرار وحده وهل المراد بقوله - صلى الله عليه وسلم - «إذا وقع بأرض، وأنتم بها» البلد الذي هو فيها أم جميع الإقليم وهل يكون الفرار حراما أم لا؟
(فأجاب) بأن كلا من الفرار من الطاعون والدخول عليه حرام فقد قال ابن عبد البر الطاعون موت شامل لا يحل لأحد أن يفر من أرض نزل فيها، وأن يقدم عليه إذا كان خارجا عن الأرض التي نزل بها وقال التاج السبكي وغيره: إنه مذهبنا وعليه الأكثر. اه. أي حملا للنهي عنهما على حقيقته وهي التحريم ما لم يصرف
عنها صارف وقال بعض العلماء إن النهي عنهما للتنزيه وحكى البغوي في شرح السنة عن قوم أن النهي عن الفرار من الطاعون للتحريم والنهي عن القدوم عليه للتنزيه والمراد بالأرض في قوله - صلى الله عليه وسلم - «إذا وقع بأرض» محل الإقامة الواقع به الطاعون سواء كان بلدا أم قرية أم محلة أو غيرها لا جميع الإقليم، والفرار من الطاعون حرام كما علم مما مر، وإن عم جميع البلاد لشمول النهي وعلله.