[باب صدقة التطوع]
(باب صدقة التطوع) (سئل) - رحمه الله - هل المعتمد ما ذكره في الروضة من عدم استحباب التصدق بما يحتاجه لنفسه أم ما في المجموع من تحريمه؟
(فأجاب) بأن المعتمد ما صححه في الروضة وكلامهم مؤيد له على أن بعضهم جمع بينهما بحمل ما في المجموع على من لم يصبر أخذا من جواب المجموع عن حديث الأنصاري وامرأته اللذين نزل فيهما قوله تعالى {ويؤثرون على أنفسهم} [الحشر: 9] الآية وما في الروضة على من يصبر.
(سئل) عما إذا قلتم بحرمة الصدقة فهل يملكها آخذها أم لا؟
(فأجاب) بأنه لا يملك المتصدق به آخذه.
[هل الأفضل الفقير الصابر أم الغني الشاكر]
(سئل) هل الأفضل الفقير الصابر أم الغني الشاكر؟
(فأجاب) بأنه قد اختلف العلماء
في تفضيل الغني والفقير مع اتفاقهم على أن ما أحوج من الفقر مكروه وما أبطر من الغنى مذموم والصحيح الذي عليه الجمهور أن الغني الشاكر وهو من قام بجميع وظائف الغنى من البذل والإحسان وشكر الملك الديان أفضل من الفقير الصابر وهو من قام بجميع وظائف الفقر كالرضا والصبر لخبر الصحيحين «جاء الفقراء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالوا ذهب أهل الدثور بالأجور» ولأنه متصف بصفتين من صفات الله تعالى إذ هو الغني الشكور والفقير الصابر بصفة من صفات العبيد وهو الفقر قال تعالى {يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله} [فاطر: 15] وصفة من صفات المعبود وهو الصبر لأن من أسمائه الصبور وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام إنه المختار «لاستعاذته - صلى الله عليه وسلم - من الفقر» ولا يجوز حمله على فقر النفس لأنه خلاف الظاهر بغير دليل وأما قوله - صلى الله عليه وسلم - «يدخل فقراء المسلمين الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم وهو خمسمائة عام» وقوله - صلى الله عليه وسلم - «اطلعت على أهل الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء واطلعت على أهل النار فرأيت أكثر أهلها النساء» فمحمول على الغالب من
أحوال الأغنياء والفقراء إذ لا يتصف من الأغنياء بأن يعيش عيش الفقراء ويتقرب إلى الله تعالى بما فضل عن عيشه مقدما لأفضل البذل في أفضله إلا الشذوذ النادرون الذين لا يكادون يوجدون، والصابرون على الفقر قليل ما هم والراضون به أقل من ذلك القليل. اه.
وقال ابن بطال عن المهلب في هذا الحديث فضل الغني نصا لا تأويلا إذا استوت أعمال الغني والفقير فيما افترض الله عليهما فللغني حينئذ فضل عمل البر من الصدقة ونحوها مما لا سبيل للفقير إليه وقال ابن دقيق العيد ظاهر الحديث القريب من النص أنه فضل الغني، وبعض الناس يؤوله بتأويل مستنكر والذي يقتضيه النظر أنهما إن تساويا وفضلت العبادة المالية أن يكون الغني أفضل وهذا لا شك فيه وإنما النظر إذا تساويا وانفرد كل منهما بمصلحة ما هو فيه أيهما أفضل إن فسر الفضل بزيادة الثواب فالقياس يقتضي أن المصالح المتعدية أفضل من القاصرة فيترجح الغني وإن فسر بالأشرف بالنسبة إلى صفات النفس فالذي يحصل لها من التطهير بحسب الفقر أشرف فيترجح الفقير ومن
أجل هذا ذهب جمهور الصوفية إلى ترجيح الفقير الصابر لأن مدار الطريق على تهذيب النفس ورياضتها وذلك مع الفقر أكثر منه مع الغنى فكان أفضل بمعنى أشرف وذكر القرطبي أن في هذه المسألة خمسة أقوال فمن قائل بتفضيل الغني ومن قائل بتفضيل الفقير ومن قائل بتفضيل الكفاف ومن قائل برد هذا إلى اعتبار أحوال الناس في ذلك ومن قائل بالوقف لأن المسألة لها غور وفيها أحاديث متعارضة قال والذي يظهر لي أن الأفضل ما اختاره الله لنبيه - صلى الله عليه وسلم - ولجمهور أصحابه - رضي الله عنهم -. اه.