ووقت الرياضة: بعد انحدار الغذاء وكمال هضمه والمعتدلة هي: التي تحمر فيها البشرة وتربو، ويتندى العروق وأما التي يكثر فيها سيلان العروق فمفرطة. وأي عضو كثرت رياضته قوي، وخصوصا على نوع تلك الرياضة. بل كل قوة هذا شأنها: فإن من استكثر من الحفظ قويت حافظته وكذلك المستكثر من الفكر، والتخيل.
ولكل عضو رياضة تخصه: فللصدر القراءة وليبتدئ فيها من الخفية إلى الجهرية بالتدريج. والسمع: يرتاض بسماع الأنغام اللذيذة والبصر القراءة [الخط] الدقيق أحيانا وبالنظر إلى الأشياء الجميلة [وكذلك رياضة اللسان في الكلام].
وركوب الخيل باعتدال رياضة البدن كله، ويحلل أكثر ما يسخن وينفع الناقهين بتحليل بقايا أمراضهم وكذلك الترجيح بالرفق، وأما طرد الخيل فيحلل كثيرا ويسخن.
واللعب بالكرة رياضة للبدن والنفس بما يلزمه من الفرح بالغلبة والغضب بالانقهار. كذلك المسابقة بالخيل وركوب السفن محركة للاخلاط مثور لها قالع للأمراض المزمنة كالجذام والاستسقاء لما يختلف على النفس من فرح [وغم] وفزع ويقوي المعدة والهضم. ومن جملة الرياضة الدلك ومنه خشن [يحمر اللون] فيخصب ما لم يقع منه إفراط قوى التحليل. ومنه صلب فيشدد ويقوي الأعضاء الضعيفة ومنه لين ومنه كثير فيهزل ومنه معتدل فيخصب انتهى.
وقال ابن القيم: أما ركوب الخيل, ورمي النشاب, والصراع والمسابقة على PageV01P095
الأقسام - فرياضة للبدن كله؛ وهي قالعة لأمراض مزمنة: كالجذام
والاستسقاء والقولنج.
[فوائد الصلاة من حيث الطب]
قال الموفق عبد اللطيف: الصلاة قد تبريء من ألم الفؤاد والمعدة والأمعاء وكثير من الآلام, وكذلك ثلاث علل: الأول: أمر إلهي حين كانت عبادة, والثانية: أمر نفسي وذلك أن النفس تلهو بالصلاة عن الآلام ويقل إحباسها والاحتفال بها فستظهر القوة عليه فتطرده فإن قوة العضو المودعة بمصالحة وحواسه التي تسميها الأطباء طبيعة هي الشافعة للأمراض بإذن خالقها. والماهر من الأطباء يعمل كل حيلة في تقويتها إن كانت ضعيفة وفي انتباهها إن كانت غافلة وفي التفاتها إن كانت معرضة وفي استزادتها إن كانت مقصرة تارة بتحريك السرور والفرح, وتارة بالحيا والخوف والخجل, وتارة بتذكيرها وشغلها بعظيم الأمور وعواقب المصير وأمر المعاد, والصلاة تجمع ذلك أو أكثر إذ يحضر العبد فيها خوف, ورجاء وأمل وحياة وتذكر [الآخرة ما يقوي قوته ويشرح صدره فيندفع] الأمراض المزمنة الشقى كالأوهام.
وقد روى أبو سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا دخلتم المريض فنفسوا له في الأجل, فإن ذلك لا يرد شيئا وهو يطيب نفس المريض. PageV01P096
والفائدة الثالثة أمر طبيعي, وذلك أن الصلاة رياضة فاضلة للنفس لأنها تشتمل على انتصاب وركوع وسجود وتورك وغير ذلك من الأوضاع التي تتحرك معها أكثر المفاصل, وتنغمر فيها أكثر الأعضاء, و[لا] سيما المعدة والأمعاء وسائر آلات التنفس والغذاء عند السجود وما أنفع السجود الطويل لصاحب النزلة والزكام, وما أنفع السجود لانصباب النزلة إلى الحلق, وقصبة الرية برجوعها إلى مجاري الأنف وما أشد إعانة السجود الطويل على فتح سدة المنخرين في علة الزكام وإنضاج مادته, وما أقوى معونة السجود على حدر الطعام من المعدة والأمعاء, وتحريك الفضول المنخنقة فيها ونقلها وإخراجها إذ غوره تنغص الآلات بازدحامها, وتساقط بعضها على بعض وكثير ما [تسر] الصلاة النفسى وتمحق الهم والحزن وتذيب الآلام الخائبة وتكشف من الأوهام الكاذبة ويصفو فيها الذهن وتطفئ نار الغضب - انتهى.