ذكر ابتداء الطب
وأخرج البزار في مسنده والطبراني في الكبير، وابن السني وأبو نعيم كلاهما في الطب النبوي من طريق عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: كان سليمان بن داود عليهما السلام إذا قام يصلي رأى شجرة ثابتة بين يديه فيقول لها: ما اسمك؟ فتقول كذا، فيقول: لأي شيء أنت؟ فتقول لكذا، فإن كانت لدواء كتب، وإن كانت لغرس غرست.
وأخرج الحاكم في المستدرك -وصححه- وابن مردويه من طريق سلمة بن كهيل عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما أن نبي الله سليمان عليه السلام كان إذا صلى الغداة طلعت بن عينيه شجرة فيقول: ما أنت؟ فتقول شجرة كذا وكذا فيقول لأي شيء طلعت؟ فتقول: طلعت لذا كذا وكذا فيأمر بها فتزرع. PageV01P018
وأخرج ابن مردويه من طريق علي بن بذيمة عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان ينبت في مصلى سليمان كل غداة شجرة فيقول: لها سليمان عليه السلام، ما أنت؟ فتقول: أنا كذا وكذا فيقول لها: لأي شيء تصلحين فتقول لكذا، فيعطيها طباخه.
وأخرج أبو نعيم في الطب من طريق قتادة عن الحسن قال: إن سليمان بن داود عليهما السلام لما فرغ من بيت المقدس وأراد الله قبضه دخل المسجد فإذا أمامه في القبلة شجرة خضراء بين عينيه، فلما فرغ من صلاته تكلمت الشجرة فقال: ألا تسألني ما أنا؟ فقال سليمان: ما أنت؟ فقالت: أنا شجرة كذا وكذا، دواء كذا وكذا من داء كذا وكذا فأمر سليمان بقطعها، فلما كان من الغد فإذا مثلها قد نبتت فسألها سليمان: ما أنت؟ فقالت: أنا شجرة كذا وكذا دواء من كذا وكذا، فأمر بقطعها، وكان كل يوم إذا دخل المسجد يرى شجرة قد نبتت فتخبره فوضع عند ذلك كتاب الطب الفيلسوفيون حتى وضعوا الطب ووضعوا الأدوية وأسماء الشجر الذي نبت في المسجد.
وقال الذهبي: قال أبقراط وغيره: الطب إلهام من الله تعالى، وأبقراط رئيس هذه الصناعة، ومذهبه فيها هو المذهب الصحيح، وتبعه عليه جالينوس إمام هذه الصناعة، وهما معظمان عند الأطباء تعظيما كثيرا ويقال إن قبر أبقراط إلى الآن يزار ويعظم عند اليونان.
ويقال: إن شيث أظهر الطب وأنه ورثه من أبيه آدم عليهما السلام، وقيل: استخرجه قوم بمصر، وقيل: إن الهند استخرجوه، وقيل: السحرة، وقيل: إدريس وهو هرمس استخرجه كما استخرج الصنائع، وقيل: إنه حصل بالتجارب، وقيل: بالقياس، والأغلب أنه من تعليم الله تعالى وإلهامه وهو الحق، ثم أضيف إليه التجارب والقياس، وقد رأينا الناس وبعض الحيوان يستعملون الطب طبعا وإلهاما PageV01P019 فإن كل من أحس بالجوع طلب الغذاء، وكذا إذا عطش طلب الماء، وإذا كرب تبرد وبالضد وإذا تخم أعرض عن الأكل، وهذا من الطب، والحية إذا خرجت بعد الشتاء وقد كل بصرها تأتي إلى الرازيانج وهو الشونيز فتأكل منه وتقلب عينها عليه فتبصر، وقد نبه الأطباء على استعماله عند ظلمة البصر، وكذا الطائر الغواص على السمك إذا احبس طبعه حقن نفسه بماء البحر، وفرخ الخطاف إذا عمى حلمت إليه أمه الماميران من الصين فيبصر، والنسر إذا عسر عن الأنثى بيضها أتى الذكر إلى الهند وأخذ الحجر المسمى باكتمكت وهو كالبندقة -إذا حركته سمعت من جوفه حركة فيضعه تحتها فيسهل بيضها، والثعلب إذا مرض في الربيع يأكل حشيشا يسهله فيصح وكذلك الهر تأكله فيعينها على القي، ومعلوم أن الحشيش ليس من أغذيتها فسبحان من أعطى كل شيء خلقه ثم هدي.