والرسول يرشدنا إلى الطريق
قال الله تعالى لرسوله الرءوف الرحيم صلى الله عليه وسلم: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) .
وقال الله عنه صلى الله عليه وسلم: (لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم) .
وعليه فقد بعثه الله رحمة للمؤمنين وغير المؤمنين، وانفرد المؤمنون بالرأفة والحرص منه صلى الله عليه وسلم.
ولهذا تكررت إرشاداته صلى الله عليه وسلم للناس أن يسرعوا بالتوبة من الذنوب، واستغفار الله إياها، رحمة بهم، ومن ذلك: أخرج مسلم عن أبى ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه أنه قال:) يا عبادي، إنكم الذين تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعا
فاستغفروني أغفر لكم (. وهذا معنى قوله تعالى: (لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا) وتنبيه إلى أن الخطأ من طبيعة الإنسان.
واخرج مسلم عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:) والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم (.
وهذا لأن الذنب المقرون بالاستغفار فيه زيادة معرفة بالله، وإقرار بالعبودية له، والذل بين يديه، وذلك أحب إلى الله من طاعة مقرونة بالعجب والنسيان.
وأخرج مسلم عن أبى هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يحكيه عن ربه تعالى أنه قال:) أذنب عبدي ذنبا فقال: اللهم أغفر لي ذنبي. فقال تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنبا، فعلم أن له ربا يغفر الذنب، ويأخذ بالذنب. ثم عاد فأذنب، فقال: اللهم أغفر لي ذنبي. فقال تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنبا، فعلم أن له ربا يغفر الذنب، ويأخذ بالذنب، اعمل ما شئت فقد غفرت لك) .
وهذا الحديث شرح للحديث قبله، وإشارة إلى أن تلك المغفرة لغير المصرين على الذنوب، وإلى أنها لمن يحسن الخوف والرجاء على حقيقتهما. وهو مصداق قوله تعالى: (فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك) . وليس العلم بلا إله إلا الله سهلا كما يبدو، بل هو من أصول السلوك. فهو يقتضي أن يسلك المؤمن في حياته موقنا أنه لا نافع ولا ضار سواه، ولا يتوكل على أحد سواه، ولا يجزع إن قضى عليه بما لا يوافق هواه، ويوقن أن كل ما يرد عليه من القضاء فإنما هو خير.
وأخرج مسلم عن جندب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدث:) أن رجلا قال: والله لا يغفر الله لفلان، وأن الله تبارك وتعالى قال: من ذا الذي يتألى علي ألا أغفر لفلان؟ فإني قد غفرت له، وأحبطت عملك (.
يتألى: يقسم. أحبطت: أبطلت ثوابه وإنما غضب الله على هذا الرجل لأنه حجر واسعا من رحمة الله، ولم يحب لأخيه ما يحب لنفسه.
وأخرج أبو داود عن أبى هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:) كان رجلان في بنى إسرائيل متآخيين أحدهما يذنب، والآخر مجتهد في العبادة، فكان لا يزال المجتهد يرى الآخر على الذنب فيقول: أقصر فوجده يوما على ذنب فقال له: أقصر. فقال: خلني وربي، أبعثت على رقيبا؟ فقال: والله لا يغفر الله لك، أولا يدخلك الجنة. فقبض الله أرواحهما فاجتمعا عند رب العالمين. فقال لهذا المجتهد: أكنت بي عالما، أو على ما في يدي قادرا "؟ وقال للمذنب: اذهب ادخل الجنة برحمتي. وقال للآخر: اذهبوا به إلى النار (قال أبو هريرة: والذي نفسي بيده لتكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته.