مقدمة المؤلف
الحمد لله الذي بين الأحكام، وشرع الحلال والحرام ودعا إلى الخير ودل عليه أهل طاعته، وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر لشناعته، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، الحكم العدل في أحكامه، وأشهد أن محمد عبده ورسوله المخصوص بتشريفه وإكرامه صلى الله عليه وسلم ما قامت به الأركان الحق الدعائم وعلى آله وصحبه الذين كانوا لا تأخذهم في الله لومة لائم.
أما بعد فقد جمعت هذه الورقات في أحكام الحسبة لينتفع بها من كان له في ولاية الأحكام رغبة، وليعرف ما له، وما عليه من الأحكام، فليس العالم كالجاهل عند أولي الأحلام، وسميتها "ببغية الإربة في أحكام الحسبة"، وجعلتها في ستة فصول وخاتمة، وأسأل الله تعالى أن يرزقني وسائر المسلمين حسن الخاتمة. PageV01P053
الفصل الأول
في حقيقة الحسبة وبيان كونها فرض عين على من وليها، وكفاية على غيره من سائر المسلمين
اعلم أن حقيقة الحسبة هي الأمر بالمعروف إذا ظهر تركه والنهي عن المنكر إذا ظهر فعله، والمراد بالمعروف هو الأمر بالواجبات، والمندوبات والنهي عن المنكر النهي عن المحرمات، والمكروهات، قال الله تعالى: {ولتكن منكم أمة يدعون PageV01P054 # إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون}، قال المفسرون الخطاب للمؤمنين في هذه الآية أي كونوا أمة تدعون إلى الخير أي الإيمان بالله ورسوله وتأمرون بالمعروف أي بطاعة الله وتنهون عن المنكر أي عن معصية الله تعالى: {وأولئك هم المفلحون} يعني الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، وانهوا عن المنكر قبل أن تدعوني فلا أجيبكم وتسألوني فلا أعطيكم، و (تستنصروني) فلا أنصركم"، قال العلماء كان النبي صلى لله عليه وسلم يجب عليه النهي عن المنكر مطلقا، وذلك من الواجبات المختص عليه الصلاة والسلام بوجوبها عليه فكان يجب عليه صلى الله عليه وسلم إذا رأى منكرا أن ينكره، ويغيره من غير تفصيل بالخوف، أو عدمه، وغيره من سائر الأمة لا يجب عليه ذلك إلا إذا أمكنه، PageV01P055 # وقدر عليه، وذلك لأن الله تعالى وعد النبي صلى الله عليه وسلم بالعصمة، والحفظ لقوله تعالى: {والله يعصمك من الناس} غيره ليس كذلك، فإذا تقرر أن الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر من فروض الكفايات، ونصب الإمام الأعظم لذلك من يتولاه وهو المحتسب لزمه القيام بذلك، وكان في حقه فرض عين، وغيره من سائر المسلمين إنما يكون عليه فرض كفاية، والله أعلم.