الفن: هو الضرب والتزيين سمي به كل قسم من كتابه إشارة إلى مهارته في الصياغة، حيث سبك من مادة واحدة هي مفردات الكلم أنواعا، وجلب لتزيينه لمعانيه بتركيبات بديعة إلى ضبطها طباعا، وادعى لإفادة شدة امتزاجها بالمعاني وسرعة الانتقال منها إليها كونها عين المعاني فقال: PageV01P198
(الفن الأول: علم المعاني)
وهكذا أو عدل عما هو الشائع من جعل المعاني ظرفا للألفاظ إشارة إلى أنه ليس هاهنا لفظ خرج عن إفادة هذا المعنى لما قصد من إفادة أن العلم ليس أوسع من الفن كما هو شأن الظرف، بل كما لم يخرج لفظ من الفن عن بيان العلم، لم يخرج شيء من العلم عن الفن، فاختار للمبالغة فيه ما لا أبلغ منه، وهو دعوى العينية، والبعد عن الاثنينية، وبما عرفت أن الفن عبارة عن الألفاظ المخصوصة، وحمل علم المعاني عليه لدعوى الاتحاد لغرض ما اندفع ما يقال أن الفن باعتبار عهديته عين علم المعاني، فالحمل عليه لغو، واندفع أيضا أن العلم سابقا علم بعنوان علم المعاني دون الفن، وما هو معلوم أحق بالموضوعية، والأنسب بالمحمولية ما فيه شائبة المجهولية، وإنما صار علم المعاني أول لأنه متعلق بترتيب المعاني، والبيان متعلق بما يفيد المعاني المرتبة من الكلام المختلف وضوحا، وخفاء في المرام، والبديع لتزيين هذا الكلام، ولا يخفي ما فيه من الترتيب المقتضي لهذا النظام من غير حاجة إلى جعل البيان من المعاني بمنزلة المركب من المفرد، لمزيد اعتبار في البيان، وهو إيراد المعاني المرتبة في طرق مختلفة، فقد زيد على ترتيب المعاني المعتبر في علم المعاني الاختلاف في الوضوح، كما اعتبره السكاكي وتبعه الشارح المحقق والسيد السند، وإنما عرف أولا قبل الشروع في مقاصده لحفظ القاصرين عن توهم اتحاده مع الفن. قال الشارح المحقق: ولأن كل علم مدون فهي كثرة تضبطها جهة وحدة باعتبارها تعد علما واحدا تفرد بالتدوين، فمن حاول تحصيلها فعليه أن يعرفها بتلك الجهة لئلا يفوته ما يعنيه، ولا يضيع وقته فيما لا يعنيه، وهذا خلاف ما حقق أن جهة وحدة إفرد العلم بها بالتدوين، وصارت المسائل الكثيرة لأجلها علما واحدا هو الموضوع، فالأولى أن يقال: كل علم، فهي كثرة تضبطها جهة واحدة، ومن حاول تحصيل كثرة تضبطها جهة وحدة فعليه أن يعرفها بتلك الجهة. PageV01P199
(وهو) أي علم المعاني (علم) (¬1) أسماء العلوم المدونة نحو المعاني يطلق على إدراك القواعد عن دليل حتى لو أدركها أحد تقليدا لا يقال له عالم؛ بل حاك، ذكره السيد السند في شرح المفتاح، وقد يطلق على معلوماتها التي هي القواعد؛ لكن إذا علمت عن دليل وإن أطلقوا، وعلى الملكة الحاصلة من إدراك القواعد مرة بعد أخرى، أعني ملكة استحضارها، متى أريد؛ لكن إذا كانت ملكة إدراك عن دليل كما لا يخفى، وكذلك لفظ العلم يطلق على المعاني الثلاثة، لكن حقق السيد السند أنه في الإدراك حقيقة، وفي الملكة التي هي تابع الإدراك في الحصول ووسيلة إليه في البقاء، وفي متعلق الإدراك الذي هو المسائل إما حقيقة عرفية أو اصطلاحية، أو مجاز مشهور، وفي كونه حقيقة في الإدراك نظر؛ لأن المراد به الإدراك عن دليل لا الإدراك مطلقا، حتى يكون حقيقة، وبالجملة التعريف يحتمل أن يكون للمعاني بأي معنى يؤخذ فيحمل العلم على معنى يناسبه، ولا يوجب تحير المخاطب في المراد؛ لأنه إذا علم المخاطب أن كل اسم للعلم المدون يطلق على المعاني الثلاثة وكذا لفظ العلم، وأبهم المتكلم اللفظ ليحمله على أي معنى شاء، فيختار أي معنى يريد أن يعرفه بالمعرف، ويحمل بقرينة العلم عليه وفيه، والشارح المحقق اختار حمله على الملكة، وجوز حمله على المسائل، مع أن قول المصنف: وينحصر في ثمانية أبواب يستدعي بظاهر الحمل على المسائل، وجعل السيد السند وجه تجويزهما دون الحمل على الإدراك فإنه لا بد فيه من تقدير أي علم بقواعد، وزيفه بأن الحمل على الإدراك أيضا يرجحه كونه حقيقة هذا، وفي طلب المصدر المتعدي تقدير المفعول بحيث. ألا ترى أنه إذا نزل المتعدي منزلة اللازم استغنى عن تقدير المفعول مثلا: إذا جعل يعطي بمعنى يوقع الإعطاء لا يحتاج إلى تقدير المتعلق؟ فلو استدعى المصدر تقدير المفعول لاستدعى الإعطاء المعتبر في يعطي! نعم ما ذكره الشارح ما يخالف قصد المصنف فإنه قال في الإيضاح (¬2): قيل: (يعرف به أحوال اللفظ العربي التي بها PageV01P200 # يطابق اللفظ مقتضى الحال) دون يعلم رعاية لما اعتبره بعض الفضلاء من تخصيص العلم بالكليات والمعرفة بالجزئيات، يريد تخصيص العلم بتصور الكلي والتصديق بحاله تخصيص المعرفة بتصور الجزئي والتصديق بحاله، فإنه ظاهر في أنه أراد بالعلم إدراك الكلي، وبالمعرفة إدراك الجزئي، ومن هذا يتبين وجه اختيار يعرف به على بحث فيه عن أحوال اللفظ العربي، لأن المراد الأحوال الجزئية، وهي لا تحمل على اللفظ العربي، ولك أن تفرق بين المعرفة والعلم، وتريد بالعلم الملكة فيكون المعنى ملكة يعلم بها أحوال اللفظ العربي ... إلخ، أي ملكة هي مبدأ استحضار العلم بأحوال اللفظ العربي، ولا يخفى أنه كما أدرج في تعريف فصاحة المتكلم الاقتدار ليشمل حالتي النطق وعدمه ينبغي أن يدرج في تعريفات العلوم الثلاثة ليشمل حالتي المعرفة وعدمها فتأمل.