PageV01P131 # بسم الله الرحمن الرحيم
[الخطبة]
الحمد لله على كل حال، كما يستوعب مزايا الإفضال، ويستجلب خواص الإقبال، ويتسبب بالافتتاح به ختم كل أمر ذي بال، والشكر لمنشئ النعم المنزه عن المثال، على حسب ما يقتضيه شواهد النوال، والصلاة والسلام على من بيده مفتاح الجنان ومصباح الجنان (¬1)، وكشف طرق الحق بأوضح بيان، اللسن الذي بلسانه تلخيص خير الأديان، وببيانه إيضاح أفضل ملل الإنسان، محمد المبعوث من أشرف قبائل بني عدنان وعلى آله وأصحابه الذين كان الدنيا عندهم أخصر من كل مختصر، وكانوا ما كانوا فيها غرباء بل كالمحتضر، فوصلوا بالفصل عن لذاتها إلى عيشة أبدية أطيب، وفازوا بكمال الانقطاع عنها لكمال الاتصال (¬2) إلى حياة سرمدية أعذب، اللهم اجعل أوجز صلاة عليهم أطول من كل مطنب، واجعلهم في قلوب المؤمنين محبوبين لا يساوي حبهم حب كل أحب.
(وبعد) فيقول المفتقر إلى الله الغني، إبراهيم بن محمد بن عربشاه الإسفراييني، إن أفضل ما يتمسك به في تحصيل الكمال، وأمثل ما يتوسل به إلى نيل خير الآمال، وأعز ما يعتصم به للترقي إلى ذروة الجلال، قول على آل النبي خير آل: لا تنظر إلى من قال، وانظر إلى ما قال، وكيف لا وهو قاطع ربقة التقليد، الذي ابتلى صاحبه بأضيق تقييد، وبعد عن الحق الصريح غاية التبعيد، ولولا التقليد لما حرم عن معرفة الحق واحد من الجاهلين، ولما سمع منهم ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين، من شاء ربه أن يكون العالم المتقن، وفقه بفقه الحكمة ضالة المؤمن، وجعله ملتزما أن يأخذ ما صفا ويدع ما كدر، ولا يفرق في مقام الانتفاع بين البحر والجدول والنهر، وعرفه أن الخطأ من لوازم البشر، وأنه لا يكون بغير الوحي في مقعد محض الصدق ومستقر. PageV01P133
ولا أظنك مرتابا في الصبح إن كنت بصيرا، عارفا بكريمه لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا، الحمد لله الذي هدانا لهذا في عنفوان أواني حتى ما رضيت بالتقليد أحدا، وما قنعت إلا بالتحقيق معتمدا؛ إلى أن جنيت من هذه الجنة ما جنيت، فلجمع كثير منه في شرح التلخيص هذا سعيت، وبأوضح تقرير وأملح تحرير أمليت، ولسالكي مناهج الحق بعين التحقيق أهديت، ولم أخف أن أشرح كتابا قد صرفت غاية همته في شرح كل باب فيه من الأبواب، جم غفير من فحول أصحاب العقول، وقوم عظيم من عظماء أرباب الألباب، سيما العالم الرباني، أستاذ الفضلاء العلامة التفتازاني (¬1)، والمحقق الحقاني، قدوة العلماء الشريف الجرجاني (¬2)، روح الله روحهما، ورزقنا غبوقهما وصبوحهما؛ كيف وقبض الصمد، لا يحيط به قبض أحد، وليس له حد، ولا يعرف له أمد؛ ولذلك ترى معي من بعدهم من مواهبه في هذا الكتاب ما يكاد يتحير فيه نواظر بصائر أرباب الذكاء؛ حيث زاد أي زيادة على ما امتلأ به أنهار المتأخرين وأجلة القدماء، فجاء بحمد الله تعالى عقدا مشتملا على فرائد اللآلى، لكل لفظ منه لفظ درر المعاني الغوالي، في أردان أذهان أذكياء الفضلاء الأعالي، وفي كل حرف منه للقلب العالي فرح في اصطياد أصناف المعالي، وكل نقطة منه لقطة نفيسة لأرباب الهمم العوالي، ظواهره مظاهر أزهار التحقيق، وبواطنه مواطن إثمار التدقيق، فلا غرو أن تجهد في اكتسابها بفكر عميق. يا ناظرا إلى قلة بضاعتي، وقصور باعتي؛ لا تكن مستبعدا لهذا النشو والنماء، فذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، فنسأل (¬3) من الله أن يجعله معينا للطلبة في فهم دقائق كتابه، وظهيرا للأجلة في علم حقائق خطابه، وذخرا لهذا العاجز الذليل، يوم لا ينفع مال ولا بنون، وعملا مبرورا له أجر غير ممنون، إنه المنعم لكافة البرايا بعامة PageV01P134 # العطايا، وخاصة الصفايا.