يعني أن الشهد الحاصل بالجهد أحلى من الكسل الشبيه بالعسل في ميل النفس إليه وإلتذاذه به.
فالأول: [في المآل](3)، وإضافته لملابسة(4) السببية.
والثاني: في الحال، وإضافته من قبيل إضافة المشبه به إلى المشبه: كلجين(5)(6) الماء.
ومما نسج(7) على هذا المنوال من أحاسن المقال: قول من قال راحتي في جراحة راحتي. PageV01P009
واعلم أن البطالة تبطل الهيئات الإنسانية، فإن كل هيئة، بل كل عضو يترك(1) استعماله يبطل(2): كالعين إذا غمضت(3)، واليد إذا عطلت؛ ولذلك وضعت الرياضيات(4) في كل شيء.
ولما جعل الله تعالى للحيوان قوة التحرك، لم يجعل له رزقا إلا بسعي ما منه؛ لئلا يتعطل فائدة ما جعل له من قوة التحرك.
ولما جعل للإنسان الفكرة، ترك من كل نعمة أنعمها عليه جانبا يصلحه هو بفكرته؛ لئلا يتعطل(5) فائدة الفكرة، فيكون وجودها عبثا، وتأمل حال مريم عليها السلام، وقد جعل لها من الرطب ما كفاها مؤنة الطلب، وفيه أعظم معجزة، فإنه لم يخلها(6) من أن أمرها بهزها، فقال تعالى: {وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا}.
وقد أخذ بعضهم منه إشارة إلى أن الرزق من الله تعالى، ولكنه مسبب تسببا عاديا بالطلب من العبد، ومباشرة(7) أسبابه، فقال: ألم تر أن الله تعالى قال لمريم عليها السلام: وهزي إليك الجذع تساقط الرطب، ولو شاء أجنى الجذع من غير هزه إليها، ولكن كل شيء له سبب.
وعن أبي الأسود الدؤلي(8): وليس الرزق عن طلب حثيث، ولكن ألق دلوك في الدلاء تجيء(9) بملئها(10) طورا، وطورا(11) تجيء(12) بحمأة وقليل ماء. PageV01P010
وقد ورد في الخبر عن خير البشر أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: ((إن الله تعالى يقول: يا عبدي حرك يدك، أنزل عليك الرزق))، وكون حركة العبد من الله تعالى لا ينافي طلبها منه، كيف وهو مأمور بها، وحقيقة الأمر الطلب على ما حقق في موضعه.
ومن هنا اتضح وجه الإشكال في جواب المسألة القائلة: لو قال رجل: الرزق من الله تعالى، ولكن از بنده جنبش خواهد، وهذا(1) شرك.
وتعليله الذي ذكره صاحب ((الخلاصة))(2): بقوله؛ لأن حركة العبد أيضا من الله تعالى لا يقال: إنما قال: هذا شرك؛ لأن القول باستعانة الله بالعبد المفهوم من الكلام المرقوم تشريكه(3) لله في الخلق؛ لأنا نقول: قد عرفت فيما سبق أن له محملا آخر لا خلل فيه أصلا، والأصل فيما له وجوه: أحدها إلى الصواب: [أن](4) لا يقدم على التخطئة فضلا عن التكفير، ثم إن التعليل موجبه الخطأ، لا الشرك.
وإياك أن تتوهم أن الأمر الوارد في قوله تعالى: {فتوكلوا على الله} بالتوكل الذي مرجعه إلى كلة(5) الأمر كله إلى مالكه، والتعويل على وكالته يستلزم النهي عن التوسل بالكسب وأسبابه؛ لأن التوكل إسقاط الأسباب عن حيز الاعتداد بها والاعتماد عليها، والاستظهار بادخار الذخائر لا إسقاطها عن حيز الإمداد على الوجه المعتاد. PageV01P011
وقد أشار النبي عليه السلام: إلى أن التوكل ليس التعطل، بل لا بد فيه من التوسل بنوع من السبب حيث قال: ((لو توكلتم على الله حق التوكل لرزقتم كما ترزق الطير، تغدو خماصا، وتروح بطانا))، فإن الطير ترزق بالطلب والسعي.
فإن قلت: ما تقول في قول من قال: الرزق مقسوم فلا ترحل(1) له، والموت(2) مختوم فلا توجل به.