[خطبة الكتاب]
بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على أشرف الخلق سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال الشيخ الإمام الحبر البحر الفهام فريد دهره ووحيد عصره شيخ الإسلام والمسلمين محيي السنة في العالمين مفتي المسلمين زين الملة والدين أبو يحيى زكريا الأنصاري الشافعي فسح الله تعالى في مدته ونفعنا والمسلمين ببركته وبمحمد وآله إنه ولي ذلك وقادر عليه بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي أظهر لنا ثمر الروض من كمامه، وأسبغ علينا بفضله ملابس إنعامه، وبصرنا من شرعه بحلاله وحرامه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ذو الجلال والإكرام، وأشهد أن محمدا عبده، ورسوله المؤيد بمعجزاته العظام صلى الله وسلم عليه، وعلى آله، وأصحابه الغر الكرام (وبعد) فهذا ما دعت إليه حاجة المتفهمين للروض في الفقه تأليف الإمام العلامة شرف الدين إسماعيل بن المقري اليمني من شرح يحل ألفاظه، ويبين مراده، ويذلل صعابه، ويكشف لطلابه نقابه مع فوائد لا بد منها، ودقائق لا يستغني الفقيه عنها على، وجه لطيف، ومنهج حنيف خال عن الحشو، والتطويل حاو للدليل، والتعليل، والله أسأل أن ينفع به، وهو حسبي، ونعم الوكيل
(وسميته أسنى المطالب في شرح روض الطالب) قال - رحمه الله تعالى - (بسم الله الرحمن الرحيم) أي أبتدئ، وأولى منه أؤلف إذ كل فاعل يبدأ في فعله ببسم الله يضمر ما جعل التسمية مبدأ له كما أن المسافر إذا حل أو ارتحل فقال بسم الله كان المعنى بسم الله أحل، وبسم الله أرتحل، والاسم مشتق من السمو، وهو العلو، وقيل من الوسم، وهو العلامة، وإنما حذفوا ألفه، وإن كان وضع الخط على حكم الابتداء دون الدرج لكثرة الاستعمال مع أنهم طولوا الباء لتكون كالعوض من الألف، والله علم على الذات الواجب الوجود المستحق لجميع المحامد، والرحمن الرحيم صفتان مشبهتان بنيتا للمبالغة من رحم كغضبان من غضب، وسقيم من سقم
والرحمة رقة القلب، وهي كيفية نفسانية تستحيل في حقه تعالى فتحمل على غايتها، وهي الإنعام، وبنيت الصفة المشبهة من رحم مع أنه متعد بجعله لازما، ونقله إلى فعل PageV01P002
بالضم، والرحمن أبلغ من الرحيم لأن زيادة البناء تدل على زيادة المعنى كما في قطع، وقطع، وعليه نقض ذكرته مع جوابه في شرح البهجة (الحمد لله) بدأ - رحمه الله تعالى - بالبسملة، وبالحمدلة اقتداء بالكتاب العزيز، وعملا بخبر «كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أقطع» ، وفي رواية «بالحمد لله» رواه أبو داود، وغيره، وحسنه ابن الصلاح، وغيره، وجمع بين الابتداءين عملا بالروايتين، وإشارة إلى أنه لا تعارض بينهما إذ الابتداء حقيقي، وإضافي فبالبسملة حصل الحقيقي، وبالحمدلة حصل الإضافي، وقدم البسملة عملا بالكتاب، والإجماع
والحمد لغة هو الثناء باللسان على الجميل الاختياري على جهة التبجيل سواء أتعلق بالفضائل أم بالفواضل، وعرفا فعل ينبئ عن تعظيم المنعم لكونه منعما على الحامد أو غيره فيتناول القول، والفعل قال بعض المحققين من الصوفية، وهو بالفعل أقوى منه بالقول لأن الأفعال التي هي آثار السخاوة مثلا تدل عليها دلالة عقلية قطعية لا يتصور فيها تخلف بخلاف الأقوال فإن دلالتها عليها وضعية، وقد يتخلف عنها مدلولها، ومن هذا القبيل حمدا لله، وثناؤه على ذاته، وذلك أنه تعالى حين بسط بساط الوجود على ممكنات لا تحصى، ووضع عليه موائد كرمه التي لا تتناهى فقد كشف سبحانه عن صفات كماله، وأظهرها بدلالات قطعية تفصيلية غير متناهية فإن كل ذرة من ذرات الوجود تدل عليها، ولا يتصور في العبارات مثل هذه الدلالات، ومن ثم «قال - عليه الصلاة والسلام - سبحانك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك» .