[1/1] بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا محمد وآله
الحمد لله المتفضل بإجابة السائل,المتطول بإفاضة النائل, فاتح أبواب الآمال, البعيدة المنال, ومانع الهبات الوافرة والعطايا الجزائل, الذي جعل العلم النافع من أعظم الأسباب الموصلة لمقاصد السعادة الأخروية وأشرف الوسائل. والصلاة والسلام الأكملان على سيدنا ومولانا محمد المنتخب من أشرف العشائر والقبائل, الآتي بالحجج والدلائل. والرضى عن آله الأفضلين, وأصحابه الأعدلين, وتعاقبت البكور والأصائل.
وبعد فهذا كتاب سميته بالمعيار المعرب, والجامع المغرب, عن فتاوى علماء أفريقية والأندلس والمغرب جمعت فيه من أجوبة متأخرين العصريين ومتقدميهم ما يعسر الوقوف على أكثره في أماكنه, واستخراجه من مكامنه, لتبدده وتفريقه, وانبهام محله وطريقه, رغبة في عموم النفع به, ومضاعفة الأجر بسببه, ورتبته على الأبواب الفقهية ليسهل الأمر فيه على الناظر, وصرحت بأسماء المفتين إلا في اليسير النادر, ورجوت من الله سبحانه أن يجعله سببا من أسباب السعادة, وسننا موصلا إلى الحسنى والزيادة, وهو المسؤول عز وجل في أجزل الثواب, وإصابة صوب الصواب.
[2/1] صفحة فارغة
[3/1] نوازل الطهارة
[الصلاة في ثوب الملف الذي نسجه النصارى]
سئل الفقيه الحافظ سيدي أبو العباس أحمد القباب عن حكم الصلاة بالملف الذي نسجه النصارى قبل غسله, وذلك أنه قيل أنهم يجعلون فيه شحم الخنزير, وبعد الغسل لما يبقى فيه من الرطوبة الناشئة عن الشحم, والماء لا يزيلها. PageV01P001
فأجاب بما نصه: الحمد لله إنه لا يخفى عليكم ما اشتهر من قول مالك. قال الأشياخ رحمة الله تعالى عليهم: والقياس يقتضي التسوية بين ما نسجوه وما لبسوه, وإنه لا يصلى في شيء من ذلك لأن شيئا من ذلك لا يخلو من النجاسة غالبا. وقيل لمالك في العتبية فيما نسجوه أنهم يبلون الغزل بأيديهم وهم أهل نجاسة, فقال: لا بأس به, لم يزل الناس على ذلك فسلم أن القياس كان الحكم بالنجاسة لغلبتها, وإنما لم يقل به لأجل أن عمل الناس مضى على خلاف ذلك. وقد اشتهر أتباعه للسلف الصالح رضوان الله عليه وعليهم. وحكى القاضي أبو الوليد ابن رشد رحمه الله تعالى عن ابن عبد الحكم أنه أجاز الصلاة فيما لبسه النصارى بناء على استصحاب أصل الطهارة, وتأوله القاضي بأن ذلك فيما لم يطل لبسه له. ورأيت كلاما منسوبا لأبي الحسن الأبياني يكون توجيها لهذا الخلاف, فإنه قال في الكتاب الذي ألفه في الورع: إذا كان الحل معلوما ولكن غلب على الظن طريان محرم بسبب معتبر في غلبة الظن, فيرتفع حكم الاستصحاب لضعفه ويقضى بالتحريم لغلبته. كما إذا غلب على الظن نجاسة إناء لعلامة معينة فلا يجوز
[ PageV01P002 4/1] التوضؤ به ولا شربه. هذا إذا غلب على الظن بعلامة متعلقة بعين الشيء, فإن كانت الغلبة ناشئة عن كثرة متعلقة بالجنس فهل ينتقل من الأصل؟ فيه خلاف. فمن الناس من يقدم الأصل لضعف الغلبة الناشئة عن الكثرة, وقال آخرون الغالب مقدم, ثم طول في توجيه القولين, ثم قال: والصحيح عندنا التمسك بالغالب إلا في كل موضع يلزم منه حرج أو إضاعة مال محترم. فإذا انقضت الضرورة أودعت الحاجة إلى التمسك بالأصل فعلناه وأعرضنا عن الغالب. والدليل عليه كتاب الله تعالى وعمل الماضين, قال الله سبحانه: وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم. ولا يخفى أن أهل الكتاب لا يتوقون النجاسات ولا يعتبرون في التطهير الماء المطلق, فأطعمتهم لا تنفك عن ذلك, ولا يلزم من اجتنابها ضرر وحرج, فتمسك بالأصل لذلك. وأما العمل فقد نقل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم, وهم القدوة والأسوة, أنهم كانوا يخوضون طين المطر ويصلون ولا يغسلونه, وكذلك نقل عن مالك عن السلف لقلة الحاجة إلى ذلك. وكان مالك يكره سؤرة النصراني في الماء دون الطعام, واعتل بخفة القاء الماء ويسارة أمره. ولولا أنه التفت إلى الحاجة لما أباح سؤرة من الطعام. وكذلك قال في الدجاج والأوز المخلات, وهي جلالة(¬1) بغلب إصابة النجاسة, وإن شربت من ماء أريق, وإن شربت من لبن أو أكلت من طعام شرب اللبن وأكل الطعام. انتهى موضع الحاجة من هذا الكلام, وفيه فوائد ما نقل من الفقه معروف من غيره, وقد اختصرت بعضه لطوله. PageV01P003