فصل
صاحب الذوق السليم من الملوك
قد سلك في المملكة أحسن سلوك، أقامه الله لمصالح العباد، بذلك أجاد وساد، وعاد إلى الخير وصار بذلك لأولد الملوك أستاذ، يعدل في الرعية ولا يجعل عسكره سوية، بل ينزل الناس منازلهم، ولا يقطع عوائدهم، يستن السنة الحسنة، ويعلم إن (عدل ساعة خير من عبادة ألف سنة) ، كريم سيوس،
لا يعجل في إتلاف النفوس، يجير الخائف، ويغيث الملهوف، حامي دين الله بحد السيوف، مجاهد مرابط، فهو لدين الله ضابط، يملك سائر الثغور، مؤيد منصور، ناصر طاهر، كامل وافر، رأيه سعيد، فعله رشيد ورأيه سديد، إذا وعد وفا، قليل الجفاء، لا يقرب السفهاء ولا الفساق، خشية من سخط الخلاق، قليل الخطاء، كثير العطاء، تاج الملوك، مليح السلوك، فهو لله مملوك، كثير التواضع والسماح، خصائله كلها ملاح، وقد وهبه الله النصرة والنجاح والعفة والصلاح.
وضد ذلك المسلوب الذوق الأحمق من الملوك
لا يفهم للملكة سلوك، يتبع خطوات الشيطان، يستعمل أظلم العمال، لأجل جمع المال، فيخرب البلاد، ويهلك العباد، وتصير بذلك أمراؤه جائعين ومماليكه ضائعين، فما بال حال البائس الفقير المسكين، تعطلت صناعته، وكسدت بضاعته، فلا أمير فرحان بإمارته، ولا تاجر يربح في تجارته. يؤمر اللؤماء على الكرماء، ويهين الفقراء ويزدري العلماء، أيامه ظلام، على جميع الأنام، فيصير القدر مهان، وكأن الخلق في زمن عبد الملك بن مروان، إذ ولى الحجاج، كم لها من هاج، في ذلك المنهاج، لما فعله بالمسلمين، (ألا لعنة الله على الظالمين) . جبار عنيد، كأنه الوليد، وأعظم من ذلك في الظلم
يزيد، إن وعد أخلف، وإن أصلح أتلف، ما لمملكته رتبة، وأجلابه أنحس جلبة، لا يغيث ملهوف ولا له مع رافد معروف، ولا يكشف كربة، ولا يطلب عن الله قربة، كأنه الشيخ عقبة، يقتدي بآراء الفساق، أحمق سيىء الأخلاق، سبحان الخلاق؛ يعجل في إتلاف النفوس برأيه المعكوس، لا يتأمل كلام من كذب عنده ولا من صدق، والدعوى عنده لمن سبق، لا ينظر من كذب في أحوال العباد، كأنه من قوم عاد، يريد أن يكون ل بالصلاح سمعا، وهو كما قال الله تعالى: (وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا) .