146 - وأنشد:
كنواح ريش حمامة نجدية ... ومسحت باللثتين عصف الإثمد (¬1)
هذا لخفاف بن ندبة. قال الأعلم: أراد، كنواحي، فحذف الياء ضرورة.
وقد استشهد به سيبويه على ذلك. ووصف في البيت شفتي امرأة، فشبهها بنواحي ريش الحمامة في رقتها ولطافتها وحزنها، وخص الحمامة النجدية، لأن الحمام عند العرب كل مطوق كالقطا وغيره. وإنما قصده منها إلى الحمام الورق، وهي تألف الجبال والحزون. والنجد: ما ارتفع من الأرض، ولا تألف الفيافي والسهول كالقطا ونحوه. قال: والرواية الصحيحة: ومسحت، بكسر التاء، وأراد أن لثاتها تضرب الى السمرة، فكأنها مسحت بالأثمد. وعصف الأثمد: ما سحق منه، وهو من عصفت الريح، إذا هبت بشدة فسحقت ما مرت به وكسرته، وهو مصدر، أريد به المفعول، كالخلق بمعنى المخلوق. ويروى: بضم الثاء، ومعناه قبلتها، مسحت عصف الاثمد في لثمها، انتهى. وقال الزمخشري: البيت عزاه قوم لابن المقفع، وليس كما قالوا. وأراد بالحمامة النجدية: الفاختة لأنها لا تسكن الغور وتهامة وما والاهما، وإنما تسكن في نجد. والعصف: ورق الزرع، وليس الأثمد بشيء ينبت فيكون له ورق، لأنه حجارة ولكنه من الأشياء التي لا تكون ببلاد العرب، فلا يقفون على حقيقته كقوله:
ولم تذق من البقول الفستقا
شبه سواد لثة المرأة بسواد أطراف ريش الحمامة. وأراد مسحت اللثتين بعصف الأثمد، فقلب لعدم الألتباس. وقال بعضهم: عصف الأثمد: سحيقه، وهم يجعلون PageV01P324 # الأثمد على اللثة شبه الوشم في اليد، انتهى. واللثة، بكسر اللام ومثلثة مخففة، ما حول الأسنان من اللحم، وأصلها لثي، والهاء عوضا من الياء. والأثمد، بكسر الهمزة والميم، حجر الكحل.
فائدة: [خفاف]
خفاف هذا، هو: ابن عمير بن الحارث بن الشريد بن رياح بن يقظة بن عصية بن خفاف بن امرئ القيس بن بهثة بن سليم، يكنى أبا خراشة، وهو ابن عم الخنساء. وندبة أمه، بنون مفتوحة، وقد تضم، ودال ساكنة، وقد تفتح. صحابي شاعر مشهور، وشهد الفتح ومعه لواء لبني سليم، وشهد حنينا وثبت على إسلامه في الردة. وله شعر يمدح فيه أبا بكر الصديق، وبقي إلى زمن عمر، وكان أسود حالكا (¬1).
147 - وأنشد:
كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا (¬2)
هذا عجز مطلع قصيدة لسحيم عبد بني الحسحاس، وصدره:
عميرة ودع إن تجهزت غاديا
وبعده:
جنونا بها فيما اعترتنا علاقة (¬3) ... علاقة حب مستسرا وباديا
ليالي تصطاد الرجال بفاحم ... نداه أثيثا ناعم النبت عافيا (¬4)
وجيد كجيد الريم ليس بعاطل ... من الدر والياقوت أصبح حاليا (¬5) PageV01P325 # كأن الثريا علقت فوق نحرها ... وحجر غضا هبت له الريح ذاكيا (¬1)
فما بيضة بات الظليم يحفها ... ويرفع عنها جؤجؤا متجافيا
ومنها:
بأحسن منها يوم قالت أرائح ... مع الركب أم ثاو لدينا لياليا
وهي ثمانية وخمسون بيتا (¬2). قال صاحب منتهى الطلب: كان ابن الأعرابي يسمي هذه القصيدة الديباج الخسرواني.
وأخرج ابن أبي حاتم في تفسيره، وابن سعد في طبقاته، والمرزباني في معجم الشعراء (¬3). والأصبهاني في الأغاني عن الحسن البصري (¬4): أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتمثل بهذا البيت:
كفى الإسلام والشيب للمرء ناهيا
فقال أبو بكر: يا رسول الله، ألا قال الشاعر:
كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا