مقدمة
...
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ذي الفضل الشامل العام
والصلاة والسلام على رسوله المحبو1 بمزيد الإكرام.
وبعد:
فقد وقعت لبعض شيوخنا على كتاب في علم التاريخ فلم أر فيه قليلا ولا كثيرا ولا جليلا يستفاد ولا حقيرا فوضعت في هذا الكتاب من الفوائد: ما تقر به الأعين وتتحلى2 به الألسن وسميته بالشماريخ3 في علم التاريخ ورتبته على أبواب: PageV01P006
الباب الأول
في مبتدأ التاريخ
قال ابن خيثمة في تاريخه1: قال علي بن محمد -هو المدائني- عن علي بن مجاهد, عن محمد بن إسحاق, عن الزهري, وعن محمد بن صالح, عن الشعبي, قال:
"لما أهبط آدم من الجنة, وانتشر ولده, أرخ بنوه من هبوط آدم, فكان ذلك التاريخ حتى بعث الله نوحا, فأرخوا ببعث نوح, حتى كان الغرق2 فهلك من هلك ممن كان على وجه الأرض.
فلما هبط نوح وذريته, وكل من كان في السفينة, قسم الأرض بين ولده أثلاثا, فجعل "سام" وسطا من الأرض,: ففيها: بيت المقدس, والنيل, والفرات, ودجلة, وسيحان وجيحان, PageV01P007
وقاسيون1 وذلك ما بين قاسيون إلى شرقي النيل وما بين مجرى الريح "الجنوب"2 إلى مجرى الريح "الشمال".
وجعل "لحام" قسمة إلى غربي النيل فما وراءه إلى مجرى ريح الدبور3.
وجعل قسم "يافث" من قاسيون فما وراءه إلى مجرى ريح الصبا.
فكان التاريخ من الطوفان إلى نار إبراهيم.
فلما كثر بنو إبراهيم افترقوا فأرخ بنوا إسحاق من نار إبراهيم إلى مبعث يوسف ومن مبعث يوسف إلى مبعث موسى ومن مبعث موسى إلى مبعث ملك سليمان ومن ملك سليمان إلى مبعث عيسى بن مريم ومن مبعث عيسى بن مريم إلى مبعث محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأرخ بنو إسماعيل من نار إبراهيم إلى بنيان البيت حين بناه إبراهيم وإسماعيل. PageV01P008
ثم أرخ بنو إسماعيل من بنيان البيت إلى أن تفرقت بعد ذلك فكان كلما خرج قوم من تهامة1 أرخو بخروجهم.
ومن بقي من ولد إسماعيل يؤرخون من خروج سعد2 ونهد وجهينة حتى مات كعب3 بن لؤي فأرخوا من موته إلى الفيل4 فكان التاريخ من الفيل إلى أن أرخ عمر بن الخطاب من الهجرة وكان ذلك سنة سبع عشرة أو ثمان عشرة.
"أخرجه ابن جرير في تاريخه مختصرا إلى قوله من مبعث عيسى إلى مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ينبغي أن يكون هذا على تاريخ اليهود فأما أهل الإسلام فلم يؤرخوا إلا من الهجرة ولم يؤرخوا بشيء قبل ذلك.
غير أن قريشا كانوا يؤرخون قبل الإسلام بعام الفيل.
قال: وكان سائر العرب يؤرخون بأيامهم المذكورة ك "يوم PageV01P009
جبلة" و"الكلاب الأول" و "الكلاب الثاني"1.
وكانت النصارى تؤرخ بعهد الإسكندر ذي القرنين2.
وكان الفرس يؤرخون بملوكهم.
وأخرج ابن عساكر في تاريخه3 من طريق خليفة بن خياط حدثني يحيى بن محمد الكعبي عن عبد العزيز بن عمران قال لم تزل للناس نؤرخ: "كانوا في الدهر الأول من هبوط آدم من الجنة" فلم يزل ذلك حتى بعث الله نوحا فأرخوا من الطوفان ثم لم يزل كذلك حتى حرق إبراهيم فأرخوا من تحريق إبراهيم وأرخت بنوا إسماعيل من بنيان الكعبة ولم يزل ذلك حتى مات كعب بن لؤي فأرخوا من موته فلم يزل كذلك حتى كان عام الفيل فأرخوا منه ثم أرخ المسلمون بعد: الهجرة" PageV01P010