النص المحقق
مقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
-رب يسر وأعن وتمم (1) يا كريم-
الحمد لله على فضله العميم، والصلاة والسلام على نبيه الكريم، وعلى آله وصحبه ذوي (2) الفضل الجسيم.
هذا الكتاب الرابع مما وعدت بوضعه على الكتب الستة، وهو تعليق على جامع أبي عيسى الترمذي، على نمط ما علقته على صحيح البخاري المسمى ب "التوشيح" (3) ، وعلى صحيح مسلم المسمى ب "الديباج" (4) ، وعلى سنن أبي داود المسمى ب "مرقاة الصعود" (5) ، وسميته "قوت المغتذي على جامع الترمذي" جعله الله تعالى (6) خالصا لوجهه الكريم، موجبا للفوز بجنات النعيم.
قال الحافظ أبو الفضل بن طاهر (7) في كتاب "شروط الأئمة": " لم ينقل عن واحد من الأئمة الخمسة أنه قال: شرطت في كتابي هذا. أن أخرج على كذا، لكن لما سبرت كتبهم علم بذلك شرط كل واحد منهم: PageV01P001
فشرط البخاري (1) ومسلم (2) أن يخرجا الحديث المجمع على ثقة نقلته إلى الصحابي المشهور، وأما أبو داود (3) والنسائي (4) فإن كتابيهما ينقسمان (5) على ثلاثة أقسام:
الأول: الصحيح المخرج في الصحيحين.
والقسم الثاني: صحيح على شرطيهما (6) ، وقد حكى أبو عبد الله بن منده (7) : " أن شرطهما إخراج أحاديث أقوام لم يجتمع على تركها " (8) ، إذا صح الحديث باتصال الإسناد من غير قطع ولا إرسال؛ فيكون هذا القسم من الصحيح؛ إلا أنه طريق لا يكون طريق ما أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما؛ بل طريقه طريق ما ترك البخاري ومسلم [من] (9) الصحيح؛ لما بينا أنهما تركا كثيرا من الصحيح الذي حفظاه.
والقسم الثالث: أحاديث أخرجاها من غير قطع عنها (10) PageV01P002
بصحتها، وقد أبانا علتها بما يفهمه أهل المعرفة، وإنما أودعا هذا القسم في كتابيهما لرواية قوم لها، واحتجاجهم بها (1) ، فأورداها وبينا سقمها (2) لتزول الشبهة، وذلك إذا لم يجدا (3) له (4) طريقا غيره؛ لأنه أقوى عندهما من رأي الرجال" (5) .
وأما أبو عيسى الترمذي فكتابه على أربعة أقسام:
قسم صحيح مقطوع به، وهو ما وافق البخاري ومسلما.
وقسم على شرط أبي داود والنسائي كما بينا في القسم الثاني لهما.
وقسم آخر كالقسم الثالث لهما أخرجه وأبان عن علته.
وقسم رابع أبان هو عنه وقال: " ما أخرجت في كتابي إلا حديثا قد عمل به بعض الفقهاء " (6) . فعلى هذا الأصل كل حديث احتج به محتج، أو عمل بموجبه عامل أخرجه، سواء صح طريقه أم لم يصح.
وقد أزاح عن نفسه: فإنه تكلم على كل حديث بما هو فيه، وكان من طريقه أن يترجم الباب الذي فيه حديث مشهور عن صحابي قد صح الطريق إليه، وأخرج حديثه في الكتب الصحاح، فيورد في الباب ذلك الحكم من حديث صحابي (7) آخر لم يخرجوه من حديثه، ولا يكون PageV01P003
الطريق إليه كالطريق إلى الأولى إلا أن الحكم صحيح، ثم (1) يتبعه بأن يقول في الباب عن فلان وفلان، ويعد جماعة، منهم الصحابي الذي أخرج ذلك الحكم من حديثه، وقل ما يسلك هذه الطريق إلا في أبواب معدودة " (2) .
وقالى الحازمي (3) في شروط الأئمة: " مذهب من يخرج الصحيح أن يعتبر حال الراوي العدل في مشايخه، وفي من روى عنهم، وهم ثقات أيضا، وحديثه عن بعضهم صحيح ثابت يلزم إخراجه، وعن بعضهم مدخول لا يصح (4) إخراجه إلا في الشواهد والمتابعات. قال: وهذا باب فيه غموض، وطريق إيضاحه معرفة طبقات الرواة عن راوي الأصل، ومراتب مداركهم. فلنوضح ذلك بمثال: وهو أن تعلم (5) أن أصحاب الزهري (6) مثلا على خمس طبقات، ولكل طبقة منها مزية على التي تليها.