فصل
أكاذيب العرب
ويلحق بهذا أكاذيب العرب، وقد عقد لها أبو العباس المبرد بابا في الكامل.
فقال: حدثني أبو عمر الجرمي قال: سألت مقاتل الفرسان أبا عبيدة عن قول الراجز:
(أهدموا بيتك لا أبا لكا ... وأنا أمشي الدألى حوالكا) // الرجز // فقلت: لمن هذا الشعر قال: تقول العرب: هذا يقوله الضب للحسل أيام
قال: وحدثني غير واحد من أصحابنا قال: قيل لرؤبة: ما قولك
(لو أنني عمرت عمر الحسل ... أو عمر نوح زمن الفطحل) // الرجز // ما زمن الفطحل قال: أيام كانت السلام رطابا.
وبعد هذا البيت:
(والصخر مبتل كمثل الوحل) قال: وحدثني سليمان بن عبد الله عن أبي العميثل مولى العباس بن محمد قال: تكاذب أعرابيان، فقال أحدهما: خرجت مرة علي فرس لي فإذا أنا بظلمة شديدة فيممتها حتى وصلت إليها، فإذا قطعة من الليل لم تنتبه، فما زلت أحمل عليها بفرسي حتى أنبهتها، فانجابت فقال الآخر: لقد رميت ظبيا مرة بسهم، فعدل الظبي يمنة، فعدل السهم خلفه، فتياسر الظبي، فتياسر السهم، ثم علا الظبي، فعلا السهم خلفه، ثم انحدر فانحدر حتى أخذه قال: وحدثني التوزي قال: سألت أبا عبيدة عن مثل هذه الأخبار من أخبار العرب فقال: إن العجم تكذب أيضا فتقول: كان رجل نصفه من نحاس، ونصفه من رصاص فتعارضها العرب بهذا وما أشبهه.
خاتمة الكتاب
ونختم الكلام بذكر ملح ومقطعات من كلام فصحاء العرب ونسائهم وصغارهم وإمائهم
خطبة لأعرابي
قال القالي في أماليه: حدثنا أبو بكر بن الأنباري قال: أخبرنا أبو حاتم قال: أخبرنا أبو زيد قال بينا أنا في المسجد الحرام إذ وقف علينا أعرابي فقال: يا مسلمون إن الحمد لله والصلاة على نبيه، إني امرؤ من [أهل] هذا الملطاط الشرقي، المواصي أسياف تهامة عكفت علينا سنون محش فاجتبت الذرى، وهشمت العرى، وجمشت النجم وأعجت البهم، وهمت الشحم، والتحبت اللحم، وأحجنت العظم، وغادرت التراب مورا، والماء غورا، والناس أوزاعا، والنبط قعاعا، والضهل جزاعا، والمقام جعجاعا، يصبحنا الهاوي، ويطرقنا العاوي، فخرجت لا أتلفع بوصيده، ولا أتقوت هبيده، فالبخصات وقعة، والركبات زلعة، والأطراف فقعة، والجسم مسلهم، والنظر مدرهم، أعشو فأغطش، وأضحى فأخفش، أسهل ظالعا، وأحزن راكعا فهل من آمر بمير، أو داع بخير وقاكم الله سطوة القادر، وملكة الكاهر، وسوء الموارد، وفضوح المصادر.
قال فأعطيته دينارا، وكتبت كلامه واستفسرت منه ما لم أعرفه.
قال أبو بكر: الملطاط: أشد انخفاضا من الغائط، وأوسع منه، وقال الأصمعي الملطاط: كل شفير نهر أو واد.
والمواصي والمواصل واحد.
وأسياف: جمع سيف، وهو ساحل البحر و [عكفت: أقامت.
والسنون: الجدوب] ومحش: جمع محوش، وهي التي تمحش الكلأ، أي تحرقه.
واجتبت: قطعت.
وهشمت: كسرت.
والعرى: جمع عروة وهي القطعة من الشجر.
وجمشت: احتلقت.
والنجم: ما ليس له ساق من النبت.
وأعجت: أي جعلتها عجايا [والعجي: السيء الغذاء المهزول] .
وهمت: أذابت.
والتحبت: عرقت اللحم عن الغظم.
وأحجنت العظم أي عوجته فصيرته كالمحجن.
والمور: الذي يجيء ويذهب.
والغور: الغائر.
وأوزاع: فرق.
والنبط: الماء الذي يستخرج من البئر أول ما تحفر.
والقعاع: الماء الملح المر.
والضهل: القليل من الماء.
والجزاع: أشد المياه مرارة.
والجعجاع: المكان الذي لا يطمئن من قعد عليه.