ولما صنع إسحاق بن إبراهيم كتابه في النغم واللحون عرضه على إبراهيم بن المهدي فقال له: لقد أحسنت يا أبا محمد وكثيرا ما تحسنفقال إسحاق: بل أحسن الخليل لأنه جعل السبيل إلى الإحسان.
فقال إبراهيم: ما احسن هذا الكلامفممن أخذته قال: من ابن مقبل إذ سمع حمامة فاهتاج فقال: // من الطويل //
(ولو قبل مبكاها بكيت صبابة ... إذا لشفيت النفس قبل التندم)
(ولكن بكت قبلي فهاج لي البكا ... بكاها فقلت: الفضل للمتقدم)
ثم ذهب بعد - في حصر جمع الكلام - مذهبه من الإحاطة التي لم يتعاطاها غيره ولا تعرضها أحد سواه فثقف الكلام وزم جميعه وبين قيام الأبنية من حروف المعجم وتعاقب الحروف لها بنظر لم يتقدم فيه وإبداع لم يسبق إليه ورسم في ذلك رسوما أكمل قياسها وأعطى الفائدة بها فكان هذا قدره في العلم ومبلغه من النفاذ والفهم حتى قال بعض أهل العلم: إنه لا يجوز على الصراط بعد الأنبياء عليهم السلام أحد أدق ذهنا من الخليل ولو أن الطاعن علينا يتصفح صدر كتابنا (المختصر من كتاب العين) لعلم أنا نزهنا الخليل عن نسبة المحال إليه ونفينا عنه من القول ما لا يليق به ولم نعد في ذلك ما كان عليه أهل العلم وحذاق أهل النظر.
وذلك أنا قلنا في صدر الكتاب: ونحن نربأ بالخليل عن نسبة الخلل إليه أو التعرض للمقاومة له بل نقول: إن الكتاب لا يصح له ولا يثبت عنه وأكثر الظن فيه أن الخليل سبب أصله وثقف كلام العرب ثم هلك قبل كماله فتعاطى إتمامه من لا يقوم في ذلك مقامه فكان ذلك سبب الخلل الواقع فيه والخطأ الموجود فيه
هذا لفظنا نصا وقد وافقنا بذلك مقالة أبي العباس أحمد بن يحيى ثعلب قبل أن نطالعها أو نسمع بها حتى ألفيناها بخط الصولي في ذكر فضائل الخليل.
قال الصولي: سمعت أبا العباس ثعلبا يقول: إنما وقع الغلط في كتاب العين لأن الخليل رسمه ولم يحشه ولو أن الخليل هو حشاه ما بقى فيه شيئا لأن الخليل رجل لم ير مثله.
قال: وقد حشا الكتاب قوم علماء إلا أنه لم يؤخذ عنهم رواية إنما وجد بنقل الوراقين فلذلك اختل الكتاب.
ومن الدليل على ما ذكره أبو العباس من زيادات الناس فيه اختلاف نسخه واضطراب رواياته إلى ما وقع فيه من الحكايات عن المتأخرين والاستشهاد بالمرذول من اشعار المحدثين فهذا كتاب ابن منذر بن سعيد القاضي الذي كتبه بالقيروان وقابله بمصر بكتاب ابن ولاد وكتاب ابن ثابت المنتسخ بمكة قد طالعناهما فألفينا في كثير من أبوابهما: أخبرنا المسعري عن أبي عبيد وفي بعضها: قال ابن الأعرابي وقال الأصمعي هل يجوز أن يكون الخليل يروي عن الأصمعي وابن الأعرابي أو ابي عبيد فضلا عن المسعري وكيف يروي الخليل عن أبي عبيد وقد توفي الخليل سنة سبعين ومائة وفي بعض الروايات سنة خمس وسبعين ومائة وأبو عبيد يومئذ ابن ست عشرة سنة.
وعلى الرواية الأخرى ابن إحدى وعشرين لأن مولد أبي عبيد سنة أربع وخمسين ومائة ووفاته سنة أربع وعشرين ومائتين ولا يجوز أن يسمع عن المسعري علم أبي عبيد إلا بعد موته وكذلك كان سماع الخشني منه سنة سبع وأربعين ومائتين فكيف يسمع الموتى في حال موتهم أو ينقلون عمن ولد من بعدهم.
وحدثنا إسماعيل بن القاسم البغدادي - وهو أبو علي القالي - قال لما ورد كتاب العين من بلد خراسان في زمن أبي حاتم أنكره أبو حاتم وأصحابه أشد الإنكار ودفعه بأبلغ الدفع وكيف لا ينكره أبو حاتم على أن يكون بريئا من الخلل سليما من الزلل وقد غبر أصحاب الخليل بعد مدة طويلة لا يعرفون هذا الكتاب ولا يسمعون به منهم النضر بن شميل ومؤرج ونصر بن علي وأبو الحسن