ذكر قدح الناس في كتاب العين
تقدم في كلام الإمام فخر الدين أن الجمهور من أهل اللغة أطبقوا على القدح فيه وتقدم كلام ابن فارس في ذلك في المسألة الرابعة عشرة.
وقال ابن جني في الخصائص: أما كتاب العين ففيه من التخليط والخلل والفساد ما لا يجوز أن يحمل على أصغر أتباع الخليل فضلا عن نفسه ولا محالة أن هذا التخليط لحق هذا الكتاب من قبل غيره فإن كان للخليل فيه عمل فلعله أومأ إلى عمل هذا الكتاب إيماء ولم يله بنفسه ولا قرره ولا حرره ويدل على أنه كان نحا نحوه أنني أجد فيه معاني غامضة ونزوات للفكر لطيفة وصيغة في بعض الأحوال مستحكمة وذاكرت به يوما أبا علي فرأيته منكرا له فقلت له: إن تصنيفه منساق متوجه وليس فيه التعسف الذي في كتاب الجمهرة فقال: الآن إذا صنف إنسان لغة بالتركية تصنيفا جيدا يؤخذ به في العربية أو كلاما هذا نحوه.
انتهى.
وقال أبو بكر محمد بن حسن الزبيدي اللغوي مؤلف مختصر العين في أول كتابه - استدراك الغلط الواقع في كتاب العين - وهو مجلد لطيف يخاطب بعض إخوانه:
وصل إلينا أيدك الله كتابك تذكر فيه ما أولع به قوم من ضعفة أهل النظر من التحامل علينا والتسرع بالقول فينا بما نسبوه إلينا من الاعتراض على الخليل بن أحمد في كتابه والتخطئة له في كثير من فضوله وقلت إنهم قد استمالوا جماعة من الحشوية إلى مذهبهم وعدلوا بهم إلى مقالتهم بما لبسوا به وشنعوا القول فيه وسألت أن أحسم ما نجم من إفكهم وأرد ما ندر من غرب ألسنتهم ببيان من القول مفصح واحتجاج من النظر موضح.
وقد كنت - أيدك الله في صحة تمييزك وعظيم النعمة عليك - في نظرك جديرا ألا تعرج على قوم هم بالحال التي ذكرت وأن يقع لهم العذر لديك بوجوه جمة منها: تخلفهم في النظر وقلة مطالعتهم للكتب وجهلهم بحدود الأدب مع أن العلة الموجبة لمقالتهم والباعثة لتسرعهم علة الحسد الذي لا يداوى سقمه ولا يؤسى جرحه فقد قال الحكيم: // من البسيط //
(كل العداوات قد ترجى إفاقتها ... إلا عداوة من عاداك من حسد) .
أوليس من العجب العجيب والنادر الغريب أن يتوهم علينا من به مسكة من نظر: أو رمق من فهم تخطئة الخليل في شيء من نظره والاعتراض عليه فيما دق او جل من مذهبه والخليل بن أحمد أوحد العصر وقريع الدهر وجهبذ الأمة وأستاذ أهل الفطنة والذي لم ير نظيره ولا عرف في الدنيا عديله وهو الذي بسط النحو ومد أطنابه وسبب علله وفتق معانية وأوضح الحجاج فيه حتى بلغ أقصى حدوده وانتهى إلى أبعد غاياته ثم لم يرض أن يؤلف فيه حرفا أو يرسم منه رسما نزاهة بنفسه وترفعا بقدره إذ كان قد تقدم إلى القول عليه والتأليف فيه فكره أن يكون لمن تقدمه تاليا وعلى نظر من سبقه محتذيا واكتفى في ذلك بما أوحى إلى سيبويه من علمه ولقنه من دقائق نظره ونتائج فكره ولطائف حكمته فحمل سيبويه ذلك عنه وتقلده وألف فيه الكتاب الذي أعجز من تقدم قبله كما امتنع على من تأخر بعده.
ثم ألف على مذهب الاختراع وسبيل الإبداع كتابي الفرش
والمثال في العروض فحصر بذلك جميع أوزان الشعر وضم كل شيء منه إلى حيزه وألحقه بشكله وأقام ذلك عن دوائر أعجزت الأذهان وبهرت الفطن وغمرت الألباب وكذلك ألف كتاب الموسيقى فزم فيه أصناف النغم وحصر به أنواع اللحون وحدد ذلك كله ولخصه وذكر مبالغ أقسامه ونهايات أعداده فصار الكتاب عبرة للمعتبرين وآية للمتوسمين.