والقياس في حكم من يبتدىء وضع صيغة.
فإن قيل: الأقيسة الحكمية يدور فيها هذا التقسيم.
قلنا: أجل ولكن ثبت قاطع سمعي على أنها متعلق الأحكام.
فإن نقلتم قاطعا من أهل اللسان اتبعناه.
ثم السر فيه أن الإجماع انعقد على وجوب العمل عند قيام ظنون القائسين فلم تكن الظنون موجبة علما ولا عملا وليس في اللغات عمل.
وإن كنتم تظنون شيئا فلا نمنعكم من الظن ولكن لا يسوغ الحكم بالظن المجرد.
فإن تعلق هؤلاء بالأسماء المشتقة من الأفعال كأسماء الفاعلين والمفعولين التي تجري على قضية واحدة فقد ثبت في هذه الفنون من طريق النقل اطراد القياس فاتبعناه ولا يجري هذا في محل النزاع.
قال الغزالي في المنخول: اختلفوا في أن اللغات هل تثبت قياسا ووجه تنقيح محل النزاع أن صوغ التصاريف على القياس ثابت في كل مصدر نقل بالاتفاق وهو في حكم المنقول وتبديل العبارات ممتنع بالاتفاق كتسمية الفرس دارا وتسمية الدار فرسا ومحل النزاع القياس على عبارة تشير إلى معنى وهو حائد عن منهج القياس كقولهم للخمر خمرا لأنه يخامر العقل أو يخمره.
فهل تسمى الأشربة المخامرة للعقل خمرا وكذا قولهم للبعير إذا استحق الحمل فهو حق.
وجوز الأستاذ أبو إسحاق مثل هذا القياس.
والمختار منعه إن كان إثبات هذا القياس مظنونا فلا يقبل إذ ليس هذا في مظنة وجوب عمل وإن كان معلوما فأثبتوا مستنده ولا نقل من أهل اللغة في جواز ذلك ولا من الشارع ومسلك العقل ضرورية ونظرية منحسم في الأسامي واللغات وإن قاسوا على القياس في الشرع فتحكم لأن مستند ذلك التأسي بالصحابة فما مستند هذا القياس ثم أطبقوا على أن البنج لا يسمى خمرا مع كونه مخمرا فإن سموه فليسموه الدار قارورة لمشاركتها القارورة في هذا المعنى وهذا محال.
سعة اللغة
- المسألة الرابعة عشرة - في سعة اللغة:
قال ابن فارس في فقه اللغة: باب القول على لغة العرب وهل يجوز أن يحاط بها
قال بعض الفقهاء: كلام العرب لا يحيط به إلا نبي.
قال ابن فارس: وهذا كلام حري أن يكون صحيحا وما بلغنا أن أحدا ممن مضى ادعى حفظ اللغة كلها فأما الكتاب المنسوب إلى الخليلوما في خاتمته من قوله: هذا آخر كلام العرب فقد كان الخليل أورع وأتقى لله تعالى من أن يقول ذلك.
وقد سمعت علي بن محمد بن مهرويه يقول: سمعت هارون بن هزاري يقول: سمعت سفيان بن عيينة يقول: من أحب أن ينظر إلى رجل خلق من الذهب والمسك فلينظر إلى الخليل بن أحمد.
وأخبرني أبو داود سليمان بن يزيد عن ذلل المصاحفي عن النضر بن شميل قال: كنا نميل بين ابن عون والخليل بن أحمد أيهما نقدم في الزهد والعبادة فلا ندري أيهما نقدم.
قال: وسمعت النضر بن شميل يقول: ما رأيت أحدا أعلم بالسنة بعد ابن عون من الخليل بن أحمد.
قال: وسمعت النضر يقول: أكلت الدنيا بأدب الخليل وكتبه وهو في خص لا يشعر به.
قال ابن فارس: فهذا مكان الخليل من الدين أفتراه يقدم على أن يقول: هذا آخر كلام العرب
ثم إن في الكتاب الموسوم به من الإخلال ما لا خفاء به على علماء اللغة ومن نظر في سائر الأصناف الصحيحة علم صحة ما قلناه.
انتهى كلام ابن فارس.
وهذا الذى نقله عن بعض الفقهاء نص عليه الإمام الشافعى رضي الله عنه فقال في أوائل الرسالة: لسان العرب أوسع الألسنة مذهبا وأكثرها ألفاظا ولا نعلم أن يحيط بجميع علمه إنسان غير نبي ولكنه لا يذهب منه شيء على عامتها حتى لا يكون موجودا فيها من يعرفه والعلم به عند العرب كالعلم بالسنة عند أهل الفقه لا يعلم رجل جميع السنن فلم يذهب منها عليه شيء وإذا جمع علم عامة أهل العلم بها أتى على السنن.