قال: ولم أر لهم كلاما في المثنى والمجموع والظاهر أنهما موضوعان لأنهما مفردان وهو الذي يقتضيه حدهم للمفرد ولهذا عاملوا جموع التكسير معاملة المفرد في الأحكام لكن صرح ابن مالك في كلامه على حدهما بأنهما غير موضوعين ويبعد أن يقال: فرعه على رأيه في عدم وضع المركبات لأنه لا تركيب فيها لا سيما أن المركب في الحقيقة إنما هو الإسناد وكذا القول في أسماء الجموع والأجناس مما يدل على متعدد والقول بعدم وضعه عجيب لأن أكثره سماعي وقد صرح ابن مالك بأن (شفعا) ونحوه مما يدل على الاثنين موضوع.
وقال الجويني: الظاهر أن التثنية وضع لفظها بعد الجمع لمسيس الحاجة إلى الجمع كثيرا ولهذا لم يوجد في سائر اللغات تثنية والجمع موجود في كل لغة ومن ثم قال بعضهم: أقل الجمع اثنان كأن الواضع قال: الشيء إما واحد وإما كثير لا غير فجعل الاثنين في حد الكثرة.
- المسألة التاسعة - قال الإمام عضد الدين الإيجي في رسالة له في الوضع: اللفظ قد يوضع لشخص بعينه وقد يوضع له باعتبار أمر عام وذلك بأن يعقل أمر مشترك بين مشخصات ثم يقال: هذا اللفظ موضوع لكل واحد من هذه المشخصات بخصوصه بحيث لا يفاد ولا يفهم به إلا واحد بخصوصه دون القدر المشترك فتعقل ذلك المشترك آلة للوضع لا أنه الموضوع له فالوضع كلي والموضوع له مشخص وذلك مثل اسم الإشارة فإن (هذا) مثلا موضوعه ومسماه
المشار إليه المشخص بحيث لا يقبل الشركة وما هو من هذا القبيل لا يفيد التشخص إلا بقرينة تفيد تعيينه لاستواء نسبة الوضع إلى المسميات.
قال: ثم اللفظ مدلوله إما كلي أو مشخص والأول إما ذات وهو اسم الجنس أو حدث وهو المصدر أو نسبة بينهما وذلك إما أن يكون يعتبر من طرف الذات وهو المشتق أو من طرف الحدث وهو الفعل والثاني العلم فالوضع إما كلي أو مشخص والأول مدلوله إما معنى في غيره يتعين بانضمام غيره إليه وهو الحرف أولا فالقرينة إن كانت في نحو الخطاب فالضمير وإن كانت في غيره فإما حسية وهو اسم الإشارة أو عقلية وهو الموصول فالثلاثة مشتركة فإن مدلولها ليس معاني في غيرها وإن كانت تتحصل بالغير فهي أسماء.
- المسألة العاشرة - نقل أهل أصول الفقه عن عباد بن سليمان الصيمري من المعتزلة أنه ذهب إلى أن بين اللفظ ومدلوله مناسبة طبيعية حاملة للواضع على أن يضع قال: وإلا لكان تخصيص الاسم المعين بالمسمى المعين ترجيحا من غير مرجح.
وكان بعض من يرى رأيه يقول: إنه يعرف مناسبة الألفاظ لمعانيها فسئل ما مسمى (اذغاغ) وهو بالفارسية الحجر فقال: أجد فيه يبسا شديدا وأراه الحجر.
وأنكر الجمهور هذه المقالة وقال: لو ثبت ما قاله لاهتدى كل إنسان إلى كل لغة ولما صح وضع اللفظ للضدين كالقرء للحيض والطهر والجون للأبيض والأسود وأجابوا عن دليله بأن التخصيص بإرادة الواضع المختار خصوصا إذا قلنا: الواضع هو الله تعالى فإن ذلك كتخصيصه وجود العالم بوقت دون وقت وأما أهل اللغة والعربية فقد كادوا يطبقون على ثبوت المناسبة بين الألفاظ والمعاني لكن الفرق بين مذهبهم ومذهب عباد أن عبادا يراها ذاتية موجبة بخلافهم.
وهذا كما تقول المعتزلة بمراعاة الأصلح في أفعال الله تعالى وجوبا وأهل السنة لا يقولون بذلك مع قولهم إنه تعالى يفعل الأصلح لكن فضلا منه ومنا لا وجوبا.