فقال: هذا سوء الأدب بالأدب، والدليل على ضعف الطلب، أتزورك متفضلة، وترجع خجلة، سأنشدك بيتين لا مطعن عليهما، ولم أسبق إليهما [2] : [السريع]
جبرت يا عائدتي بالصله ... فتممي الإحسان تنفي الوله
وهذه قد حسبت زورة ... لم أنت يا لعبة مستعجله
ثم قال: هكذا المعاني، فأنشدته قول الثاني: [السريع]
يا من أعار الليث حسن اللقا ... وكم أعار السحب الهطلا
بعضك في الجود ككل الورى ... فاعجب لبعض يعدل الكلا
فقال: لقد أشبهك في بيتيك، لا بل أربى في سوء الأدب عليك، فمن أعار الليث لقاه، فبماذا يلقى عداه؟ ومن أعار السحب الهطل، فقد خلت عن الهطل يداه، ولو أبدل أعار ب (علم) ، واحترز من خطر عموم البيت الثاني، كان أسلم، إذ يلزمه أن يكون بعض هذا الممدوح، مساويا في الجود للورى حتى للكليم والروح، لقد أخطأ وأحال، ويا ليته قال: [مخلع البسيط]
علمت ليث الشرى وثوبا ... والسحب علمتهن هطلا
حاشاك ذم وكل ضد ... فصح قولي حاشا وكلا
ثم قال: قد أريتك المباحث، فأنشدته قول الثالث: [السريع]
لو كنت محتاجا إلى درهم ... لكان بالمداح لي أسوه
وكان من لا يعطني أهجه ... فالحمد لله على الثروه PageV01P339
فقال: هذا نظم على الفتوح، فهو كجسد بلا روح، وتقدير ضمير الشأن، بعد قوله (وكان) يحيا به الميت، وإلا خرب البيت، وشاهد هذه النفيسة: «إن من يدخل الكنيسة» [1] ، فتنبه إلي، وانظر كيف أخذت هذا المعنى بكلتا يدي، فقلت: [مجزوء الرمل]
أنا لو كنت مقلا ... ما اصطلى الناس بناري
خلص العالم جمعا ... من يميني ويساري
ثم قال: قد جئتك ببدائع، فأنشدته قول الرابع: [السريع]
له قباء خلت تطريزه ... لحسنه تطريز خديه
ملتفت نحوي كظبي النقا ... لا ما لظبي غنج عينيه [2]
فقال: لا معنى بديع، ولا لفظ صنيع، قنع قائله بالوزن والقافية، وجمع بين ثقل (لا) و (ما) النافية، فلو رآه سقراط، أعرض عن حبه بغضا ولم يعرج، وقال: إن لم يكن معلما وإلا فدحرج، فاسمع في المعنى تضميني الثمين الذي أردفت جيش حسنه [3] بكمين، فقلت: [مجزوء الرجز]
طرز قباء محنتي ... كخده ورقمه
ما أعوزت منه الظبا ... إلا طراز كمه
ثم قال: هكذا النفائس، فأنشدته قول الخامس: [الكامل]
بأبي مخيلة إذا رقصت ... رقص الفواد ونقط الدمع
رفعت نقاب الحسن ثم شدت ... فافتن فيها الطرف والسمع
فقال: لقد بالغ في ثلبها ونقصها بقوله: (رقص الفؤاد ونقط الدمع) لرقصها، فهي إذن معزية لا مهنئة، ونائحة لا مغنية، وفي قوله: (رفعت نقاب الحسن) كلام، وفي قوله:
(افتن) عسر، والسلام، فدع فساد المخيلة، واسمع ما قلته في مخيلة: [السريع]
جاءتك في طيف خيال حكت ... طيف خيال هز أعطافه
مصرية في نور شامية ... يا حين ذي الشمعة طوافه [4] PageV01P340
ثم قال: كذا من وجهين تجلى العرائس، فأنشدته قول السادس: [المنسرح]
لي أغيد لو بذلت نفسي ... في قبلة منه لم أنلها
قلت له بين عاشقيه ... أتاجر أنت قال: بالها
فقال: هذا رجل صرف (أغيد) ضرورة، وجعل (الهاء) [1] الممدودة مقصورة،/ وكان يقال: الجمع بين ضرتين، ولا الجمع بين ضرورتين، وبالجملة فما وفق لفصيح إعراب، ولا جاء بمعنى ذي إغراب، فاسمع ما قلت في تاجر، فملأت عينه بالجواهر: [السريع]
وتاجر شاهدت عشاقه ... والحرب فيما بينهم ثائر
قال علام اقتتلوا هكذا ... قلت: على عينيك يا تاجر