[5] ، واكثر من الاسترجاع كلما ذكرته تفز من الأجر بأوفى نصيب، ففي الحديث: (من ذكر مصيبته وإن تقادم عهدها، فاسترجع كتب الله له من الأجر مثله يوم أصيب) [6] ، وورد في آثار حسنة: من استرجع بعد أربعين سنة، وورد في حديث مرفوع على إرساله: (مما يحبط الأجر في المصيبة تصفيق الرجل بيمينه على شماله) [7] .
فصبر جميل ورضى بما قضى المولى الجليل، وتسليم لمن هو أرحم بعبده من أبويه ونعم الكفيل، وتفويض إليه في كل صباح ومساء، وغدو وأصيل، وإذا نزع من الشيطان والنفس نزغ [8] ، فنعوذ بالله وحسبنا الله ونعم الوكيل
[9] .
[تمت المقامة اللازوردية في موت الأولاد] PageV01P336
المقامة المنبجية للإمام زين الدين عمر بن الوردي
[1] حدث عين إنسان معرة النعمان، قال: دخلت منبج [2] في بعض الأسفار، فرأيت مصرا كأمصار، ولكن قد صغر [3] تصريف الدهر اسمها، وأبهم على المتكلمين حدها ورسمها، فمساجدها بالدثور [4] ساجدة، ومشاهدها بحزنها على من غاب عنها شاهدة، ورباطاتها محلولة القوى وللأنس فاقدة، ومدارسها دارسة إلا واحدة، فازددت بحديثها القديم حبا، وغدا قلبي فيها كلفا، ودمعي فيها صبا، وحسدت غرابها على النواح وسواد الثياب، وتلوت: يا ويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب
[5] ، وعجبت لسورها المديد، وقصرها المشيد، ونبهت على قبر ملكها حسان [6] بعد أن دثر، وقرأت البيتين المكتوبين عليه نقرا في الحجر [7] : [الوافر]
لقد غفلت صروف الدهر عني ... وبت من الحوادث في أمان
وكدت أنال في الشرف الثريا ... وها أنا في التراب كما تراني PageV01P337
ورايت قبر البحتري بها، وشهدت بهجة مشهد النور، ودعوت عند المستجاب، وفي سفح المصلى خارج السور [1] ، وزرت بقصور مادحيها، وتمثلت مادحي قصورها، وزرت قبور صالحيها، وتوسلت بصالحي قبورها، وأمسيت نزيلا لنزيلها الجليل، ولي الله الشيخ عقيل [2] الطيار في الهواء، الغواص في الماء، شيخ شيوخ الإسلام، وأول من دخل بالخرقة العمرية إلى الشام، جامع الوحوش في البر والبحر أفواجا، وجاعل النجارة باذن الله ذهبا وهاجا، المتصرف بعد وفاته [3] ، كتصرفه في حال حياته، الذي أعدى عديا [4] ، في حلبات الرهان، وأرسل رسالة سره إلى رسلان [5] ، وما زال الزولي [6] /له مريدا، ورزق بن مرزوق الرسي [7] به جدا سعيدا، وسعدا جديدا، وبعد أن فعلت ما فعلت، تذكرت ما كنت قلت: [السريع]
خالط أولي العلم تكن عالما ... فربنا قد رفع الوحيا [8]
واقتد بالموتى على أنه ... لا بد للحي من الأحيا
فاخلصت النية، وقصدت مدرستها النورية، فاذا مدرسها القاضي، وقد استقبل أمر الدرس بفعل ماض، فاحتقرته لحداثة سنه، وعزمت على تخجيله بفن، لعله غير PageV01P338
فنه [1] ، فان المتصدر قبل أوانه سفيه، ورب فقيه لا أدب فيه، فلما أتم درسه، وبسط لي أنسه، وسألني عن حالتي، فقلت في لجاجتي: نحن عشرة ذوو نسب، وألو علم وأدب، وقد أنشد كل منا بيتي شعر، سامهما بأغلى سعر، وأقام وزنهما، وقال: إنهما وإنهما، وأنا رسول أصحابي إليك، لتنصف بيننا فقد دللت عليك، فقال: قل ما أردت أن تقول، وابدأ بنفسك ثم بمن تعول، ثم أصاخ إلي، فأنشدت بيتي، وهما: [السريع]
زائرة زارت بلا موعد ... أفدي بما أملكه سيرها
فقلت ماذا وقته فارجعي ... وعاوديني ليلة غيرها