ولكل روح اتصال ببدنها معنوي، وتعلق بجسدها قوي، بحيث يصح أن يسلم عليها، وتفهم ما يقع من الخطاب لديها، وتسمع الكلام، وترد السلام، وهي في الرفيق الأعلى، والفريق الأحلى، لأن الروح لها شأن، لا يشابه شأن الأبدان، بحيث تكون في محال متعددة في آن واحد، وعلى ذلك تتنزل مسألة تبدل الولي، وأحاديث جمة الموارد، وأقرب شبه في ذلك/ الشمس المنيرة فانها في السماء وأشعتها في الأرض كثيرة [7] .
وقد صح الحديث من طرق غزيرة، وأخرجه أحمد والحاكم والبيهقي من رواية أبي هريرة: (أن أولاد المؤمن في جبل في الجنة، له وسامة، يكفلهم إبراهيم وسارة، حتى يردهم إلى آبائهم يوم القيامة) [8] ، فنعم الوالدان الكافلان هما، وهنيئا مريئا لولد فارق أبويه وأمسى عندهما. PageV01P334
وأما من مات من الأطفال وهو يرضع، فان له أن يغذى في الجنة، ويروى ويشبع، ورد في الحديث: (إن في الجنة شجرة من خير الشجر، لها ضروع كضروع البقر، فمن مات من الصبيان الذين يرضعون، رضعوا منها أجمعون أكتعون أبصعون) [1] .
وورد في الحديث عن سيد بني عبد مناف بن قصي: (كل مولود ولد في الإسلام فهو في الجنة، شبعان ريان، يقول: يا رب أورد علي أبوي) [2] .
ومما يغبط فيه الأطفال أنهم ينجون في القبر من هول السؤال، وغيرهم من البالغين يسألون ويقلقلون ويتلتلون [3] ، ويكرر عليهم السؤال سبعة أيام، ولهذا كان السلف يستحبون عنهم فيها الإطعام، فأعظم بالسلامة من هذا الهول من سلامة، وناهيك بالمعافاة من هذه الفتنة من كرامة، وقد قال النسفي [4] ، وهو الإمام الجليل الكبير: «الأنبياء/ وأطفال المؤمنين ليس عليهم حساب، ولا عذاب القبر، ولا سؤال منكر ونكير» [5] .
وتمام النعمة والكرامة، أنهم يكونون في ظل العرش يوم القيامة، مأذونا لهم في الشفاعة، مجابا قولهم بالقبول والطاعة، ورد في الحديث من طريق الحفاظ المتضلعين: (ذراري المسلمين يوم القيامة تحت العرش شافعين ومشفعين) [6] ، وقال تعالى: كل نفس بما كسبت رهينة إلا أصحاب اليمين
[7] ، قال علي بن أبي طالب وعبد الله بن عمر: «هم أطفال المسلمين» [8] . ثم إذا دخلوا الجنة كانوا مع أرفع الأبوين مكانا، وخير الوالدين فضلا وإحسابا.
وقد روى ابن أبي الدنيا عن ابن مسعود، وهو كمرفوع السنة: «إن أطفال المسلمين ملوك يخدمون في الجنة» ، وروى ابن حاتم عن خالد بن معدان [9] ذي الجلالة والإمامة: PageV01P335
«إن سقط المرأة يكون في نهر من أنهار الجنة، يتقلب فيه حتى تقوم القيامة» [1] .
فيا أيها الوالد الجريح، والواله القريح، ماذا البكاء والصريخ، بعد هذا البر الصريح، وماذا العويل والضجيج بعد ما ثبت في الحديث الصحيح، وماذا التلهف والتأسف، بعد هذا القضاء المربح المريح؟ [2] :/ [الطويل]
فان كنت تبكيه طلابا لنفعه ... فقد نال جنات النعيم مسارعا
وإن كنت تبكي أنه فات عوده ... عليك بنفع فهو قد صار شافعا
فطب نفسا بهذا الفضل العظيم، وقر عينا بنزول ولدك في جوار الرب البر الرحيم، وانشد عن نفسك قول شاعر حكيم [3] : [الكامل]
جاورت أعدائي وجاور ربه ... شتان بين جواره وجواري
وإن تلوت: يا أسفى على يوسف وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم
[4] ، فاتل تلوها:
ما أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده أجر عظيم