ولا شك أن هذا ليس بمراد، بل المراد إفهام أن غيرهم لا
يوقن بالآخرة، فلذلك حافظنا على أن الغرض الأعظم إثبات الإيقان بالآخرة، ليتسلط المفهوم عليه، وأن المفهوم لا يتسلط على الحصر، لأن الحصر لم يدل عليه بجملة واحدة، مثل ما وإلا، ومثل إنما، وإنما دل عليه بمفهوم مستفاد من منطوق، وليس أحدهما متقيدا بالآخر حتى نقول: إن المفهوم أفاد نفي الإيقان المحصور، بل أفاد نفي الإيقان مطلقا عن غيرهم، وهذا كله على تقدير تسليم الحصر، ونحن نمنع ذلك، ونقول: إنه اختصاص، وإن بينهما فرقا.
*******
الوجه الثالث عشر من وجوه إعجازه (احتواؤه على جميع لغات العرب وبلغة غيرهم من الفرس والروم والحبشة وغيرهم)
وقد رأيت فيه تأليفا مفردا.
وقد أفردث في هذا النوع كتابا سميته
" المهذب فما وقع في القرآن من العرب ".
وألخص هنا ما وقع تتمة لل
فائدة
، ومن الله أرجو حسن العائدة، بعد أن أذكر اختلاف العلماء في وقوع المعرب في القرآن.
فالأكثرون، ومنهم الإمام الشافعي، وابن جرير، وأبو عبيدة، والقاضي أبو
بكر، وابن فارس، على عدم وقوعه فيه، لقوله تعالى: (قرآنا عربيا) .
وقوله: (ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته أأعجمي وعربي) .
وقد شدد الشافعي النكير على القائل بذلك.
وقال أبو عبيدة: إنما أنزل القرآن بلسان عربي مبين، فمن زعم أن فيه غير
العربية فقد أعظم القول.
ومن زعم أن كذا بالنبطية فقد أكبر القول.
وقال ابن فارس: لو كان فيه من لغة غير العرب شيء لتوهم متوهم أن
العرب إنما عجزت عن الإتيان بمثله، لأنه أتى بلغات لا يعرفونها.
وقال ابن جرير: ما ورد عن ابن عباس وغيره من تفسير ألفاظ من القرآن
إنها بالفارسية أو الحبشية أو النبطية أو نحو ذلك إنما اتفق فيها توارد اللغات، فتكلمت بها العرب والفرس والحبشة بلفظ واحد.
وقال غيره: بل كان للعرب العاربة التي نزل القرآن بلغتهم بعض مخالطة
لسائر الألسنة في أسفارهم، فعلقت العرب من لغاتهم ألفاظا غيرت بعضها
بالنقص من حروفها، واستعملتها في أشعارها ومحاوراتها، حتى جرت مجرى
العربي الفصيح، ووقع بها البيان.
وعلى هذا الحد نزل بها القرآن.
وقال آخرون: كل هذه الألفاظ عربية صرف، ولكن لغة العرب متسعة
جدا، ولا يبعد أن تخفى على أكابر إلجلة.
وقد خفي على ابن عباس معنى فاطر وفاتح.
قال الشافعي في الرسالة: لا يحيط باللغة إلا نبي.
وقال أبو المعالي عزيري بن عبد الملك: إنما وجدت هذه الألفاظ في لغة العرب، لأنها أوسع اللغات وأكثرها ألفاظا.
ويجوز أن يكونوا سبقوا إلى هذه الألفاظ.
وذهب آخرون إلى وقوعه فيه.
وأجابوا عن قوله: (قرآنا عربيا)
بأن الكلمات اليسيرة بغير العربية لا تخرجه عن كونه عربيا.
فالقصيدة الفارسية لا تخرج عنها بلفظة فيها عربية.
وعن قوله: (أأعجمي وعربي) - بأن المعنى من السياق: أكلام أعجمي ومخاطب عربي، واستدلوا باتفاق النحاة على أن منع صرف نحو إبراهيم للعلمية والعجمة.
ورد هذا الاستدلال بأن الأعلام ليست محل خلاف، فالكلام في غيرها.
فوجه بأنه إذا اتفق على وقوع الأعلام فلا مانع من وقوع الأجناس.
وأقوى ما رأيته للوقوع - وهو اختياري - ما أخرجه ابن جرير بسند صحيح عن أبي ميسرة التابعي الجليل، قال: في القرآن من كل لسان.
وروي مثله عن سعيد بن جبير، ووهب بن منبه، فهذه إشارة إلى أن حكمة