رحمتي غلبت غضي.
وقوله: (إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم) .
قال ابن الحاجب في أماليه: إنما قدم الأزواج، لأن المقصود الإخبار أن فيهم
أعداء، ووقوع ذلك في الأزواج أكثر منه في الأولاد، وكان أقعد في المعنى
المراد فقدم، ولذلك قدمت الأموال في قوله: (إنما أموالكم وأولادكم فتنة) .
لأن الأموال لا تكاد تفارقها الفتنة.
(إن الإنسان ليطغى (6) أن رآه استغنى (7) .
وليست الأولاد في استلزام الفتنة مثلها، فكان تقديمها أولى.
التاسع - الترقي من الأدنى إلى الأعلى، كقوله: (ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون) .
بدأ بالأدنى لغرض الترقي، لأن اليد أشرف من الرجل، والعين أشرف من اليد، والسمع أشرف من البصر.
ومن هذا النوع تأخير الأبلغ، وقد خرج عليه تقديم الرحمن على الرحيم.
والرؤوف على الرحيم، والرسول على النبي في قوله: (وكان رسولا نبيا) .
وذكر لذلك نكت أشهرها مراعاة الفاصلة.
العاشر - التدلي من الأعلى إلى الأدنى.
وخزج عليه: (لا يغادر صغيرة ولا كبيرة) . الكهف: 49.
(لا تأخذه سنة ولا نوم) .
(لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة) .
هذا ما ذكره ابن الصائغ، وزاد غيره أسبابا أخر، منها كونه أدل على القدرة
وأعجب، كقوله: (فمنهم من يمشي على بطنه) .
وقوله: (وسخرنا مع داوود الجبال يسبحن والطير) .
قال الزمخشوي: قدم الجبال على الطير، لأن تسخيرها له وتسبيحها له
أعجب، وأدل على القدرة، وأدخل في الإعجاز، لأنها جماد، والطير حيوان
ناطق.
ومنها رعاية الفواصل كما تقدمت الأمثلة لذلك.
*******
الوجه الثاني عشر من وجوه إعجازه (إفادة حصره واختصاصه)
وهو تخصيص أمر بآخر بطريق مخصوص.
ويقال أيضا إثبات الحكم للمذكور ونفيه عما عداه.
وينقسم إلى قصر الموصوف على الصفة، وقصر الصفة على الموصوف، وكل منهما إما حقيقي وإما مجازي، مثال قصر الموصوف على الصفة حقيقيا نحو ما زيد إلا كاتب، أي لا صفة له غيرها، وهو عزيز لا يكاد يوجد، لتعذر الإحاطة بصفات الشيء حتى يمكن إثبات شيء منها ونفي ما عداها بالكلية، وعلى عدم تعذرها يبعد أن يكون للذات صفة واحدة ليس لها غيرها، ولذا لم يقع في التنزيل.
ومثاله مجازيا: (وما محمد إلا رسول) ، أي مقصور على الرسالة لا يتعداها إلى التبري من الموت الذي استعظموه، إنه شأن الإله.
ومثال قصر الصفة على الموصوف حقيقيا: لا إله إلا الله.
ومثاله مجازيا: (قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة) .
كما قال الشافعي فما تقدم نقله من أسباب النزول: إن الكفار لما كانوا يحلون الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به، وكانوا يحرمون كثيرا من المباحات، وكانت سجيتهم تخالف وضع
الشرع، ونزلت الآية مستوفية بذكر شبههم في البحيرة والسائبة والوصيلة
والحامي، وكان الغرض الرد عليهم والمضادة لا الحصر الحقيقي.
وقد تقدم بأبسط من هذا.
وينقسم الحصر باعتبار آخر إلى ثلاثة أقسام: قصر إفراد، وقصر قلب.
وقصر تعيين:
فالأول: يخاطب به من يعتقد الشركة، نحو، (إنما الله إله واحد) .
وخوطب به من يعتقد اشتراك الله والأصنام في الألوهية.
والثاني: يخاطب به من يعتقد إثبات الحكم لغير من أثبته المتكلم له، نحو:
(ربي الذي يحيي ويميت) البقرة: 258.
خوطب به نمرود الذي اعتقد أنه المحي المميت دون الله.