وأما الآية الثانية فليس قولهم: (ذرونا نتبعكم) ، خطابا خاصا له - صلى الله عليه وسلم -، بل له وللمؤمنين، والسياق يفصح بذلك، وما أمر به عليه
السلام من مجاوبته في قوله لهم: (لن تتبعونا) ، فلم يرد هنا
إفراده عليه السلام بخطابهم له كما ورد في الأول، وجاء كل على ما يناسبه.
فإن قلت: إن خطابهم له خاص كالأول، ولكن خاطبوه مخاطبة التعظيم
بقولهم: (ذرونا نتبعكم) ؟
قلت: وعلى فرض هذا فمراعاة الألفاظ في النظم أكيدة جدا، وبها إحرازه.
وعلى هذا لا يلائم هنا الخطاب كيفما هو إلا بصورة ما للجميع.
والله أعلم بالمراد.
(سكرة الموت) :
أي غصصه ومشقاته.
وقد قدمنا الحديث أنه أشد من سبعين ضربة بالسيف، ولما حضرته الوفاة جعل يده - صلى الله عليه وسلم - في إناء ماء ومسح بها وجهه وقال: لا إله إلا الله، إن للموت سكرات، اللهم الرفيق الأعلى.
ولما بلغ روحه سرته قال: يا جبريل، ما أشد مرارة الموت، فولى جبريل وجهه، فقال: يا جبريل، أكرهت النظر إلى وجهي، فقال: يا حبيب الله، ومن يقدر أن ينظر إليك وأنت تعالج الموت!
هذا نبيك المعصوم قاسى منه ما سمعت، ووعك وعك رجلين كما صح،
فكيف بك أنها المغرور لا تبكي على نفسك، وتعالج هواك لعله يرحمك ويسمع أنينك!
(سائق وشهيد) :
السائق: ملك يسوقه، والشهيد يشهذ عليه.
وهو الأظهر.
وقيل صحائف الأعمال.
وقيل: جوارح الإنسان، لقوله تعالى: (يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون) .
(سال، وسأل) ،: بالهمز: طلب الشيء والاستفهام عنه.
وسال بغير همز من المعنيين المذكورين، ومن السيل.
ومنه سأل سائل.
فمن قرأه بالهمز احتمل معنيين:
أحدهما أن يكون بمعنى الدعاء، أي دعا داع بعذاب، وتكون الإشارة إلى قول الكفار: (أمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم) ، وكان الذي قالها النضر بن الحارث.
والآخر أن يكون بمعنى الاستخبار، أي سأل سائل عن عذاب واقع، والباء على هذا بمعنى عن، وتكون الإشارة إلى قولهم: (متى هذا الوعد إن كنتم صادقين) ، وشبه ذلك.
وأما من قرأ سال - بغير همز - فيحتمل وجهين:
الأول أن يكون مخففا من المهموز، فيكون فيه المعنيان المذكوران.
والثاني أن يكون من سال السيل إذا جرى، ويؤيد ذلك قراءة ابن عباس سال سيل، وتكون الباء على هذا كقولك: ذهبت بزيد.
وإذا كان من السيل احتمل وجهين:
أحدهما أن يكون شبه في شدته وسرعة وقوعه بالسيل.
وثانيهما أن يكون حقيقة.
قال زيد بن ثابت: في جهنم واد يقال له سايل.
فتلخص من هذا أنه في القراءة بالهمز يحتمل وجهين، وفي القراءة بغير همز أربعة معان.
(سقف مرفوع) :
يعني السماء.
(ساقطا يقولوا سحاب مركوم) :
كانوا قد طلبوا أن ينزل عليهم كسفا من السماء، فأخبر الله أنهم لو رأوه ساقطا عليهم لبلغ بهم الطغيان
والجهل والعناد أن يقولوا: ليس بكسف، وإنما هو سحاب مركوم، أي كثيف بعضه فوق بعض.