(مزدجر) :
اسم مصدر بمعنى ازدجار، أو اسم موضع بمعنى
أنه مظنة أن يزدجر، والمراد بها قصص القرآن وبراهينه ومواعظه.
(منهمر) ، أي كثير، كان الله يقول مكر قوم نوح وأرادوا
قتله وإخراج نوح من بينهم، ومكرنا نحن بخروجهم من وجه الأرض، ففتحنا
أبواب السماء بماء منهمر، فقلنا: يا سماء أمطري، ويا أرض انشقي، ويا طوفان أهلك، ويا كافر، اهلك بأهلك.
(مدكر) : تحضيض على الادكار، فيه ملاطفة جميلة من الله لعباده.
ووزن مدكر مفتعل، وأصله مدتكر، ثم أبدل من التاء دال، وادغم فيه
الدال.
فإن قلت: ما فائدة تكرير هذه الآية، وقوله: (فذوقوا عذابي ونذر) .
فالجواب أنه كرره لينبه السامع عند كل قصة فيعتبر بها، إذ كل قصة من
القصص عبرة وموعظة، فختم كل واحدة بما يوقظ السامع من الوعيد في قوله: (فكيف كان عذابي ونذر) .
ومن الملاطفة في قوله: (ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر) .
(منقعر) ، أي منقطع، ويشبه الله قوم عاد بذلك لما بغوا
وتمردوا، وقالوا لهود: لا نلتفت إلى قولك، ولا نخاف من تهديدك، فإن كنت صادقا فأنزل علينا عذابا.
قال: (قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب) ، فمنع الله عنهم المطر ثلاث سنين حتى هلكت المواشي والدواب، فقال لهم هود:
(استغفروا ربكم ثم توبوا إليه) .
فقالوا: لا نتوب، ولكن نرسل رجالا إلى مكة للاستسقاء، لأنهم كانوا يعظمونها، ويطلبون بها حوائجهم، فبعثوا منهم ستة
وآمن منهم رجلان، وقالا: إلهنا إنك تهلك قوم هود، ولسنا منهم، فاستجب دعاءنا، واقض حاجتنا، فسمعا صوتا: سل تعط.
فقال أحدهما: إلهي إني أسأل عمر سبع نسور، فسمع صوتا: أعطيت ذلك، فبقي أربعة من الكفار، وكان اسم واحد منهم قيدا، فقالوا له: ادع أنت، فدعا، وقال: اللهم إني لم أجئ لمريض أداويه، ولا لأجل أسير فأفديه، اللهم فاسق عادا كما كنت تسقيهم، فهاجت ثلاث سحائب حمرا وبيضا وسودا، فسمع صوتا: اختر أيها شئت.
فقال: قد اخترت السوداء، فسمع صوتا يقول: قد اخترت رعادا لايبقى من
الرعاد أحدا لا والدا ولا ولدا.
فأمر الله تعالى ملك الريح أن يرسل من الصرصر مقدار حلقه.
قال وهب بن منبه اليماني: تحت الأرض السفلى، كما يقال لها العقيم، تعصف يوم القيامة، فتقلع الجبال من أماكنها، وترفع الأرض وتزحزحها، وتشق الأرض، قال تعالى: (وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة) ، وسبعة آلاف موكلون بهذا الريح، فأمر الله الملك الموكل به أن
يرسل جزءا من هذا الريح إلى قوم عاد، فقال: إلهي، كم أرسل، قال: مقدار منخر ثور.
قال: إلهي كثير، فأمر الله أن يرسل مقدار حلقة خاتم، فقال: إلهي
كثير، لا تدع شيئا في الأرض إلا أهلكته (1) .
فأمر الله أن يرسل مقدار سم الخياط، فلما جاءتهم السحاب قالوا: (هذا عارض ممطرنا) .
فقال لهم هود: (بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم) .
فجاءتهم الريح، فخرج منهم سبعمائة، وصعدوا في الجبل، أخذ كل واحد
منهم بيد صاحبه وذيله طامعين في النجاة، فلما اشتد الريح صاحوا وركضوا في الجبل، فساخ إلى ركبتهم، فلما حان العذاب أظلمت السماء، ورعدت، فنزلت ريح، فهدم جميع أبنيتهم ورفعها في الهواء، فجعلها مثل الدقيق المطحون، فصار رملا، وهذه الرمال التي على وجه الأرض من ذلك، ثم رفع قوم هود إلى الهواء وضربهم على الأرض، فصاروا كأنهم أعجاز نخل خاوية.