وتأمل هذا اللطف منه سبحانه حيث لم يرد مواجهة خليله بقتل ولده
بالوحي، فأراه في المنام، وكذلك الحق سبحانه يقول: ما ترددت في شيء
كترددي في قبض روح المؤمن، هو يكره الموت وأنا أحب لقياه.
(مليم) ، من اللوم، وهو التعيير، وذلك أنه فعل ما يلام عليه في خروجه من قومه بغير إذن ربه، فحبسه في بطن الحوت حتى
طهره، وأخرجه بتسبيحة واحدة، وكذلك المؤمن يحبسه في النار حتى يطهره من غير ألم يناله فيها لأن له عقد الوصلة، كأيوب حلف أن يضرب زوجته مائة سوط، فأمره الله أن يأخذ بيده ضغثا - وهو ملء كف من الحشيش كى لا تتأذى امرأته بالضرب.
فإن قلت: كيف يجمع بين هذا وبين قوله: (فلولا أنه كان من المسبحين)
- فإنها تقتضي أنه لولا التسبيح للبث، فاللبث منتف
لوجود التسبيح، وهذه تقتضي لولا تداركه النعمة لنبذ، وهو مذموم، فهو
يقتضي - انتفاء النبذ، وانتفاء النبذ هو اللبث، وهذه تقتضي ثبوت اللبث لا انتفاء اللبث، والأولى تقتضي انتفاء اللبث وكون اللبث مثبتا منفيا محال، أو يقال الأولى تقتضي ثبوت النبذ والثانية انتفاؤه؟
وأجاب بعض الفضلاء بأن لو الأولى في قوة لولا التسبيح لثبت اللبث.
والثانية في قوة لو انتفت النعمة لنبذ، ولما كان الواقع من مراد الله تعالى أن PageV02P502
التسبيح ثابت كان انتفاؤه محالا، والواقع أيضا أن النعمة ثابتة فانتفاؤها محال، ولما كان ملزوم الشرطين محالا لا جرم ترتب عليه محال، ونظروه بقوله تعالى: (ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر) ، أي لاستؤصلوا، (ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون) .
وهذه تقتضي عدم الهلاك، وإن أنزل الملك، ولما كان جعل الملك على الوجه الذي طلبوه رسولا محالا لما سبق في علمه لا جرم ترتب عليه المحال، والحق الواضح الذي لا تكلف فيه أن الآية الثانية إنما نفت النبذ المقيد بكونه مذموما، والنفي المقيد لا يستلزم نفي المطلق، فلا يلزم نفي النبذ على وجه الإكرام، وبه ينبغي الجواب عن آيتي الأنعام، فإن الإهلاك الذي كنى عنه بقضاء الأمر إنما رتب على إنزال الملك على صورته لا على صورة الرجل، واللبس عليهم، والذي يستلزم بقاءهم هو إنزاله على صفة الرجل، أو يقال نلبس عليهم الأمر، ثم نهلك.
(مغتسل) ، وغسول: الماء الذي يغتسل به، والموضع الذي
يغتسل فيه أيضا.
وروي أن أيوب ضرب الأرض مرتين فنبع له عينان، فاغتسل
من أحدهما، وشرب من الأخرى.
(مقتحم) : أي داخل في زحام وشدة، وهذا من كلام
خزنة النار، خاطبوا به رؤساة الكفار الذين دخلوا النار أولا، ثم دخل بعدهم أتباعهم، وهم الفوج المشار إليه.
وقيل هو من كلام أهل النار بعضهم لبعض.
والأول أظهر.