(ما ضل صاحبكم وما غوى) :
هذا جواب القسم.
والخطاب لقريش عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
الضلال والغي، والفرق بينهما أن الضلال بغير قصد والغي بقصد وتكسب.
(ما ينطق عن الهوى) ، أي ليس يتكلم بهواه وشهوته، وإنما
يتكلم بما يوحى إليه.
وفي هذا دليل على أن السنن بوحي من الله، ويشهد لهذا
الرجل الذي سأله وقد تناثر رأسه من القمل.
(ما أوحى) : إبهام يقتضي التفخيم والتعظيم.
وفي معناه أقوال:
الأول: أن المعنى أوحى إلى عبده محمد ما أوحى.
الثاني: أوحى الله إلى عبده جبريل ما أوحى، وعاد الضمير على الله في
القولين، لأن سياق الكلام يقتضي ذلك وإن لم يتقدم ذكره، فهو كقوله: (إنا أنزلناه في ليلة القدر) .
الثالث: أوحى جبريل إلى عبد الله محمد ما أوحى.
والأول أظهر بدليل سؤال عائشة له - صلى الله عليه وسلم -: ما أوحى إليك ربك، فأبى أن يخبرها، فألحت عليه وأقسمت له بالله، فقال: يا عائشة، أوحى إلي أنه لا يحاسب أمتي غيره لما سألته أن يجعل حسابهم إلي وقال: لا أريد أن يطلع على مساويهم أنت ولا غيرك.
وفي رواية: أنت شفيع لهم وأنا رحيمهم، فكيف
تضيع أمة بين شفيع ورحيم.
(ما كذب الفؤاد ما رأى) ، أي ما كذب فؤاد محمد - صلى الله عليه وسلم - ما رأى بعينه، بل صدق بقلبه أن الذي رأى بعينه حق، والذي رأى هو
جبريل، يعني حين رآه قد ملأ الأفق.
وقيل: الذي رأى ملكوت السماوات.
والأول أرجح: (ولقد رآه نزلة أخرى) .
وقيل الذي رأى هو الله تعالى، وقد قدمنا إنكار عائشة رضي الله عنها لذلك.
وسئل - صلى الله عليه وسلم -: " هل رأيت ربك؟ فقال: نوراني نراه!
(ما يغشى) :
فيه إبهابم لقصد التعظيم.
وفي الحديث قال: "فغشيها ألوان لا أرى ما هي"، وهذا أولى ما تفسر به الآية.
(ما زاغ البصر وما طغى) .
أي بصر محمد - صلى الله عليه وسلم -، أي ما تجاوز مما رأى إلى غيره، بل أثبتها وتيقنها.
(مناة الثالثة الأخرى) :
صخرة كانت لهذيل وخزاعة بين مكة والمدينة، وكانت أعظم الأوثان عندهم، لأنه تعالى أكدها بهاتين الصفتين، قاله ابن عطية.
وقال الزمخشري: الأخرى ذم وتحقير، أي المتأخرة الوضيعة القدر.
ومنه: (قالت أخراهم لأولاهم) .