(يسألونك عن الشهر الحرام) .
(يسألونك عن الخمر) .
ثم جاء ثلاث مرات بالواو:
(ويسألونك ماذا ينفقون) (ويسألونك عن اليتامى) .
(ويسألونك عن المحيض) .
قلنا: لأن سؤالهم عن الحوادث الأول وقع متفرقا، وعن الحوادث الأخر وقع في وقت واحد، فجيء بحرف الجمع دلالة على ذلك.
فإن قيل: كيف جاء: (ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا (105)
، وعادة القرآن مجيء قل في الجواب بلا فاء؟
أجاب الكرماني بأن التقدير لو سئلت عنها فقل.
فإن قيل: كيف جاء: (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب) ، وعادة السؤال يجيء جوابه في القرآن بقل.
قلنا: حذفت للإشارة إلى أن العبد في حالة الدعاء في أشرف المقامات، ولا
واسطة بينه وبين مولاه.
ورد في القرآن سورتان، أولهما يا أنها الناس في نصفه الأول، وهي تشتمل
على شرح البدأ، والتي في النصف الثاني على شرح المعاد.
*******
الوجه السادس من وجوه إعجازه (مشتبهات آياته)
وذلك أن القصة الواحدة ترد في سور شتى وفواصل مختلفة بأن يأتي في
موضع واحد مقدما وفي آخر مؤخرا، كقوله في البقرة: (وادخلوا الباب
سجدا وقولوا حطة) . البقرة: 58.
وفي الأعراف: (وقولوا حطة وادخلوا الباب سجدا) . الأعراف: 161.
وفي البقرة: (وما أهل به لغير الله)
وسائر القرآن: (وما أهل لغير الله به) .
وفي موضع بزيادة وفي موضع بدونها، نحو: (سواء عليهم أأنذرتهم) .
وفي يس: (وسواء) . يس: 10، وفي البقرة: (ويكون الدين لله) البقرة: 163.
وفي الأنفال: (كله لله) الأنفال: 39.
وفي موضع معرفا وفي آخر منكرا.
أو مفردا وفي آخر جمعا.
أو بحرف وفي آخر بحرف آخر.
أو مدغما أو مفككا.
وهذا النوع يتداخل مع نوع المناسبات.
وقد أفرده بالتصنيف جماعة أولهم فيما أحسب الكسائي، ونظمه السخاوي، وألف في توجيهه الكرماني كتابه "البرهان في متشابه القرآن".
وأحسن منه درة التنزيل وغرة التأويل" لأبي عبد الله الرازي (1) .
وأحسن منها كلها "ملاك التأويل في متشابه التنزيل" لأبي جعفر بن الزبير.
وللقاضي بدر الدين بن جماعة في ذلك كتاب لطيف سماه "كشف المعاني عن متشابه المثاني".
وفي كتابي أسرار التنزيل المسمى PageV01P066
قطف الأزهار في كشف الأسرار من ذلك الجم الغفير، لكنا "نشير هنا إلى توجيه أمثلة منها تتميما للفائدة:
قوله في البقرة: (هدى للمتقين) البقرة: 2) ، لأنه لما ذكر هنا جموع
الإيمان ناسب المتقين، ولما ذكر في لقمان الرحمة ناسبه: هدى ورحمة للمحسنين.
وإنما ذكر في البقرة: (وكلا) . البقرة: 35، بالواو، وفي الأعراف:
(فكلا) . الأعراف: 19، - بالفاء، لأن المراد بالسكنى في البقرة الإقامة.
وفي الأعراف اتخاذ المسكن، فلما ناسب القول إليه تعالى: (وقلنا يا آدم)
البقرة: 35، ناسب زيادة الإكرام بالواو الدالة على الجمع بين السكنى
والأكل، ولذا قال فيه رغدا، وقال: حيث شئتما، لأنه أعلم.
وأتى في الأعراف: يا آدم، فأتى بالفاء الدالة على ترتيب الأكل على السكنى المأمور باتخاذها، لأن الأكل بعد الاتخاذ، ومن حيث لا يعطي عموم " حيث شئتما ".
قوله في البقرة: (ولا يقبل منها شفاعة) ، وقال بعد ذلك:
(ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة) ، ففيه تقديم
وتأخير، والتعبير بقبول الشفاعة تارة وبالنفي أخرى، وذكر في حكمته أن
الضمير في منها راجع في الأولى إلى النفس الأولى، وفي الثانية إلى النفس الثانية، فبين في الأولى أن النفس الشافعة الجازية عن غيرها لا تقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل، وقدمت الشفاعة لأن الشافع يقدم الشفاعة على بذل العدل عنها.