القرآن خمس آيات خمس آيات، فإن جبريل كان ينزل بالقرآن على النبي - صلى الله عليه وسلم - خمسا خمسا.
ومعناه - إن صح - إلقاؤه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا القدر حتى يحفظه، ثم يلقي إليه الباقي لا إنزاله خاصة بهذا القدر.
ويوضح ذلك ما أخرجه البيهقي أيضا عن خالد بن دينار، قال، قال أبو
العالية: تعلموا القرآن خمس آيات خمس آيات، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يأخذه من جبريل خمسا خمسا.
تنبيه:
اتفق أهل السنة والجماعة على أن كلام الله تعالى منزل.
واختلفوا في معنى الإنزال، فمنهم من قال إظهار القراءة، ومنهم من قال إن الله تعالى ألهم كلامه جبريل، وهو في السماء، وهو عال من المكان.
وعلمه قراءته، ثم إن جبريل أداه في الأرض، وهو يهبط في المكان.
وفي التنزيل طريقان:
أحدهما: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - انتقل من صورة البشرية إلى صورة الملكية، وأخذه من جبريل.
والثاني: أن الملك انخلع إلى البشرية حتى يأخذ الرسول منه.
والأول أصعب الحالين.
وقال الطيبي: لعل نزول القرآن على الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يتلقفه الملك من الله تلقفا روحانيا، أو يحفظه من اللوح المحفوظ، فينزل به إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ويلقيه عليه.
وقال القطب الرازي في حواشي الكشاف: التنزيل لغة بمعنى الإيواء، وبمعنى
تحريك الشيء من علو إلى سفل، وكلاهما لا يتحققان في الكلام، فهو مستعمل فيه في معنى مجازي، فمن قال: القرآن معنى قائم بذات الله تعالى فإنزاله أن يوجد الكلمات والحروف الدالة على ذلك المعنى ويثبتها في اللوح المحفوظ.
ومن قال القرآن هو الألفاظ فإنزاله مجرد إثباته في اللوح المحفوظ.
وهذا المعنى مناسب لكونه منقولا عن أول المعنيين اللغويين.
ويمكن أن يراد بإنزاله إثباته في السماء الدنيا بعد الإثبات في اللوح المحفوظ، وهذا يناسب المعنى الثاني.
والمراد بإنزال الكتب على الرسل أن يتلقفها الملك من الله تلقفا روحانيا أو يحفظها من اللوح المحفوظ، وينزل بها فيلقيها عليهم.
وقال غيره: في المنزل على النبي - صلى الله عليه وسلم - ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه اللفظ والمعنى، وأن جبريل حفظ القرآن من اللوح الحفوظ
ونزل به.
وذكر بعضهم أن أحرف القرآن في اللوح المحفوظ، كل حرف منها بقدر
جبل قاف، وأن تحت كل حرف منها معان لا يحيط بها إلا الله تعالى.
والثاني: أن جبريل إنما نزل بالمعاني خاصة، وأنه - صلى الله عليه وسلم - علم تلك المعاني، وعبر عنها بلغة العرب، وتمسك قائل هذا بظاهر قوله تعالى: (نزل به الروح الأمين (193) على قلبك) .
والثالث: أن جبريل ألقى عليه المعنى، وأنه عبر بهذه الألفاظ بلغة العرب
وأن أهل السماء يقرؤونه بالعربية، ثم إنه نزل به كذلك بعد ذلك.
وقال البيهقي - في معنى قوله تعالى: (إنا أنزلناه في ليلة القدر) .
يريد - والله أعلم: إنا أسمعنا الملك وألهمناه إياه، وأنزلناه بما سمع، فيكون
الملك منتقلا به من علو إلى سفل.
قال أبو شامة: هذا المعنى مطرد في جميع ألفاظ الإنزال المضافة إلى القرآن أو
إلى شيء منه يحتاج إليه أهل السنة المعتقدون قدم القرآن، وأنه صفة قائمة بذات الله تعالى.
قلت: ويؤيد أن جبريل تلقفه سماعا من الله تعالى ما أخرجه الطبراني من
حديث النواس بن سمعان مرفوعا: إذا تكلم الله بالوحي أخذت السماء رجفة