فقال - صلى الله عليه وسلم -: ما أراك إلا قد حرمت عليه.
فقالت: يا رسول الله، لا تفعل فإني وحيدة ليس لي أهل سواه.
فراجعها - صلى الله عليه وسلم - بمثل مقالته، فرجعت إلى الله.
وقالت: اللهم إني أشكو إليك حالي وانفرادي وفقري.
وقيل: إنها قالت اللهم إن لي منه صبية صغارا إن ضممتهم إلي جاعوا، وإن
ضممتهم إليه ضاعوا.
فأنزل الله كفارة الظهار.
وهكذا عادته سبحانه في كل ملهوف يرجع إليه يفرج عنه.
(تحاوركما) ، أي مراجعتكما.
وضمير التثنية يعود على النبي - صلى الله عليه وسلم -، وخولة.
قالت عائشة رضي الله عنها: سبحان من وسع سمعه الأصوات! لقد كنت
حاضرة، وكان بعض كلام خولة يخفى علي، وسمع الله كلامها، ونزل القرآن
في ذلك، فبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في طلب زوجها، وقال له: أتعتق رقبة، فقال: والله ما أملكها.
فقال: أتصوم شهرين متتابعين، فقال: والله ما أقدر.
فقال: أتطعم ستين مسكينا، فقال: لا أجد إلا أن يعينني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمعونة وصلاة - يريد الدعاء، فأعانه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بخمسة عشر صاعا، ودعا له، فكفر بالإطعام، وأمسك زوجه.
(تفسحوا) :
توسعوا، ونزلت الآية بسبب ازدحام الناس في
مجلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وحرصهم على القرب منه.
وقيل نزلت في مقاعد الحرب والقتال.
وقيل: أقام النبي - صلى الله عليه وسلم - قوما من مجلسه ليجلس أشياخا من أهل بدر في مواضعهم، فنزلت الآية.
تم اختلف: هل هي مقصورة على مجلسه - صلى الله عليه وسلم - أو هي عامة في جميع المجالس.
فقال قوم: إنها مخصوصة، ويدل على ذلك قراءة " المجلس " بالإفراد.
وذهب الجمهور إلى أنها عامة، ويدل على ذلك قراءة " المجالس " بالجمع.
وهذا هو الأصح، ويكون المجلس بالإفراد على هذا للجنس.
والتفسح المأمور به هو التوسع دون القيام، ولذلك قال - صلى الله عليه وسلم -: لا يقوم أحد من مجلسه، ثم يجلس الرجل فيه، ولكن تفسحوا وتوسعوا.
وقد اختلف في هذا النهي عن القيام من المجلس لأحد، هل هو على التحريم
أو الكراهة.
(تحرير رقبة) ، أي عتقها، وجعل الله الكفارة في الظهار
ثلاثة أنواع مرتبة، لا ينتقل إلى الثاني حتى يعجز عن الأول، ولا ينتقل إلى
الثالث حتى يعجز عن الثاني.
والرقبة ترجمة عن الإنسان، ولا يشترط فيها
الإيمان، بخلاف القتل واليمين.
(تبؤءوا الدار) : لزموها واتخذوها مسكنا.
والدار: المدينة، والضمير يعود على الأنصار، لأنها كانت بلدهم.
فإن قيل: كيف تبوأ الدار والإيمان، وإنما تتبوأ الدار، أي تسكن ولا يتبؤأ
الإيمان؟
فالجواب من وجهين - الأول: أن معناه تبوءوا الدار وأخلصوا الإيمان، فهو
كقوله: علفتها تبنا وماء باردا، تقديره علفتها تبنا وسقيتها ماء باردا.
الثاني أن المعنى أنهما جعلوا الإيمان كأنه موطن لهم لتمكنهم فيه، كما جعلوا المدينة كذلك.
فإن قيل: قوله: (من قبلهم) - يقتضي أن الأنصار سبقهوا
المهاجرين بنزول المدينة وبالإيمان، فأما سبقهم لهم بنزول المدينة فلا شك فيه، لأنها، كانت بلدهم، وأما سبقهم لهم بالإيمان فمشكل، لأن أكثر المهاجرين أسلموا قبل الأنصار.
فالجواب من وجهين:
أحدهما أنه أراد بقوله: (من قبلهم) : من قبل هجرتهم.
والآخر أند أراد تبؤءوا الدار مع الإيمان معا، أي جمعوا بين الحالتين قبل