(وأسقيناكم ماء فراتا (27) .
(لأسقيناهم ماء غدقا (16) .
لأن السقي في الدنيا لا يخلو من كلفة أبدا.
الاستدراك والاستثناء
شرط كونهما من البديع أن يتضمنا ضربا من المحاسن زائدا على ما يدل عليه
المعنى اللغوي، مثال الاستدراك قوله تعالى: (قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا) .
فإنه لو اقتصر على قوله: (لم تؤمنوا) لكان منفرا لهم، لأنهم ظنوا الإقرار بالشهادتين من غير اعتقاد إيمانا، فأوجبت البلاغة ذكر الاستدراك، ليعلم أن الإيمان موافقة القلب اللسان، وإن انفرد اللسان بذلك يسمى إسلاما، ولا يسمى إيمانا.
وزاد ذلك أيضا بقوله: (ولما يدخل الإيمان في قلوبكم) .
فلما تضمن الاستدراك إيضاح ما عليه ظاهر الكلام من الإشكلال عد من المحاسن.
ومثال الاستثناء: (فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما) ، فإن الإخبار عن هذه المدة بهذه الصيغة يمهد عذر نوح في دعائه على قومه
بدعوة أهلكتهم عن آخرهم، إذ لو قيل: فلبث فيهم تسعمائة وخمسين عاما لم يكن فيه من التهويل ما في الأول، لأن لفظة الألف في الأول أول ما يطرق السمع
فيشتغل بها عن سماع بقية الكلام.
وإذا جاء الاستثناء لم يبق له بعد ما تقدمه وقع
يزيل ما حصل عنده من ذكر الألف.
الاقتناص
ذكره ابن فارس: وهو أن يكون كلام في سورة مقتنصا من كلام في سورة
أخرى أو تلك السورة، كقوله تعالى: (وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة
لمن الصالحين) .
والآخرة دار ثواب لا عمل فيها، فهذا مقتنص من قوله: (ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلى (75) .
ومنه: (ولولا نعمة ربي لكنت من المحضرين) .
مأخوذ من قوله: (فأولئك في العذاب محضرون) .
وقوله: (ويوم يقوم الأشهاد) .، - مقتنص من أربع آيات.
لأن الأشهاد أربعة: الملائكة في قوله: (وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد (21) .، والأنبياء في قوله: (فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا (41) .
وأمة محمد في قوله: (لتكونوا شهداء على الناس) .
والأعضاء في قوله: (يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم) .
وقوله: (ويوم التناد) .
قرىء مخففا ومشددا، فالأول مأخوذ من قوله: (ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار) .
والثاني من قوله: (يوم يفر المرء من أخيه (34) وأمه وأبيه (35) .