الإطراد
وهو أن يذكر المتكم أسماء آباء المدوح مرتبة على حكم ترتيبها في الولادة.
قال ابن أبي الإصبع: ومنه في القرآن قوله تعالى - حكاية عن يوسف: (واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب) - قال: وإنما لم يأت به
على الترتيب الألوف، فإن العادة الابتداء بالأب ثم بالجد ثم الجد الأعلى، لأنه لم يرد هنا مجرد ذكر الآباء، وإنما ذكرهم ليذكر ملتهم التي اتبعها، فبدأ بصاحب الملة، ثم بمن أخذها عنه أولا فأولا على الترتيب.
ومثله قول أولاد يعقوب: (نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق) .
الانسجام
هو أن يكون الكلام لخلوه عن العقدة متحدرا كتحدر الماء المنسجم، ويكاد
لسهولة تركيبه وعذوبة ألفاظه أن يسيل رقة.
والقرآن كله كذلك.
قال أهل البديع: وإذا قوي الانسجام في النثر جاءت فقراته موزونة بلا
قصد، لقوة انسجامه.
ومن ذلك ما وقع في القرآن موزونا، فمنه من بحر الطويل: (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) .
ومن المديد: (واصنع الفلك بأعيننا) .
ومن البسيط: (فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم) .
ومن الوافر: (ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين) .
ومن الكامل: (والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم) .
ومن الهزج: (فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا) .
ومن الرجز: (ودانية عليهم ظلالها وذللت قطوفها تذليلا (14) .
ومن الرمل: (وجفان كالجواب وقدور راسيات) .
ومن السريع: (أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها) .
ومن المنسرح: (إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه) .
ومن الخفيف: (لا يكادون يفقهون حديثا) .
ومن المضارع: (يوم التناد (32) يوم تولون مدبرين) .
ومن المقتضب: (في قلوبهم مرض) .
ومن المجتث: (نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم (49) .
ومن المتقارب: (وأملي لهم إن كيدي متين) .
الإدماج
قال ابن أبي الإصبع: هو أن يدمج المتكلم غرضا في غرض، أو بديعا في
بديع، بحيث لا يظهر في الكلام إلا أحد الغرضين أو أحد البديعين، كقوله:
(وله الحمد في الأولى والآخرة) .
أدمجت المطابقة في المبالغة،
لأن انفراده تعالى بالحمد في الآخرة - وهي الوقت الذي لا يحمد فيه سواه - مبالغة في الوصف بالانفراد بالحمد، وهو وإن خرج مخرج المبالغة في الظاهر فالأمر فيه حقيقة في الباطن، فإنه رب الحمد والمنفرد به في الدارين.
انتهى.
قلت: والأولى في هذه أن يقال: إن الآية من إدماج غرض في غرض، فإن
الغرض منها تفرده تعالى بوصف الحمد، فأدمج فيه الإشارة إلى البعث والجزاء.