النوع الحادي والعشرون: التعليل
وفائدته التقرير والأبلغية، فإن النفوس أبعث على قبول الأحكام المعللة من
غيرها، وغالب التعليل في القرآن على تقدير جواب سؤال اقتضته الجملة الأولى، وحروفه: اللام، وإن، وأن، وإذ، والباء، وكي، ومن، ولعل.
وتأتي إن شاء الله في حروف المعجم.
ومما يقتضي التعليل لفظ الحكمة، كقوله: (حكمة بالغة) .
وذكر الغاية من الخلق، نحو: (جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء) .
(ألم نجعل الأرض مهادا (6) والجبال أوتادا (7) .
*******
الوجه السابع والعشرون من وجوه إعجازه (وقوع البدائع البليغة فيه)
وقد أنهاها بعضهم إلى مائتي نوع.
وهو علم يعرف به وجوه تحسين الكلام بعد رعاية المطابقة ووضوح الدلالة.
وقد أفرده بالتصنيف ابن أبي الإصبع، وقد قدمنا منها في نوع الفواصل
والمناسبات والفواتح والخواتم وفي الوجه الذي قبل هذا ما لا مزيد لذكره.
ونذكر هنا بعضها لتطلع بذلك على أسرار هذا الكلام الذي أعجز عقول ذوي الأفهام عن إدراك عجائبه التي لا تنقضي، لأنه في أحسن نظام، فإن أيقظ المتكلم به أحد هذه الأمة المحمدية للنظر في هذا الكتاب فلا يغفل عن أجرة الدلال الموصل له هذه الذخائر التي يعجز عنها كثير من الطلاب - بالدعاء له بمجاورة الموصل لنا هذا بعد الصلاة والسلام عليه وعلى جميع الآل والأصحاب.
وإن لم يفتح الله له جملة - وهذا ظني لوصف الخلق بأوصاف البطلة - فنرده إلى الله ورسوله، ونسأله بمعاقد العز من عرشه، ومنتهى الرحمة من كتابه واسمه الأعظم أن يجعله لنا وجميع ما ألفنا وقاية وشفيعا من جميع المكلاره دينا ودنيا، لأنه ولي ذلك والقادر عليه.
فمن ألقاب علوم البديع:
الإيهام: ويدعى التورية:
أن يذكر لفظ له معنيان، إما بالاشتراك، أو
التواطؤ، أو الحقيقة، أو المجاز: أحدهما قريب والآخر بعيد، وئقصد البعيد
وئورى عنه بالقريب، فيتوهمه السامع في أول وهلة.
قال الزمخشري: لا ترى بابا في البيان أدق ولا ألطف من التورية، ولا أنفع
ولا أعون على تعاطي تأويل المتشابهات في كلام الله ورسوله.
قال: ومن أمثلته:
(الرحمن على العرش استوى) ، فإن الاستواء على معنيين: الاستقرار
في المكان - وهو المعنى القريب المورى به الذي هو غير مقصود لتنزيهه تعالى
عنه.
والثاني الاستيلاء والملك، وهذا المعنى البعيد المقصود الذي ورى عنه
بالقريب المذكور. انتهى.
وهذه التورية تسمى مجردة، لأنها لم يذكر فيها شيء من لوازم المورى به ولا
المورى عنه.
ومنها ما تسمى مرشحة، وهي التي ذكر فيها شيء من لوازم هذا أو هذا.
كقوله تعالى: (والسماء بنيناها بأيد) ، فإنه يحتمل الجارحة
وهو المورى به، وقد ذكر من لوازمه على جهة الترشيح البنيان.
ويحتمل القدرة والقوة، وهو البعيد المقصود.
وقال ابن أبي الإصبع في كتابه الإعجاز: ومنها: (قالوا تالله إنك لفي
ضلالك القديم) .
فالضلال يحتمل الحب وضد الهدى، فاستعمله
أولاد يعقوب ضد الهدى تورية عن الحب.
(فاليوم ننجيك ببدنك) .
على تفسيره بالدرع، فإن البدن يطلق عليه وعلى الجسد، والمراد
البعيد وهو الجسد، قال: ومن ذلك قوله تعالى - بعد ذكر أهل الكتاب من
اليهود والنصارى حيث قال: (ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك وما أنت بتابع قبلتهم) .
ولما كان الخطاب لموسى من الجانب الغربي، وتوجهت إليه اليهود، وتوجهت