بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم
ميزان المعدلة في شأن البسملة للسيوطي (رحمه الله تعالى ورضي عنه)
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قد اشتهر كلام الناس في شأن البسملة واحتجاجهم على أنها قرآن أو غير قرآن.
وشنع القاضي أبو بكر الباقلاني وغيره على الشافعي PageV01P019 في إثباتها قرآنا، بأن القرآن لا يثبت بالظن، إنما يثبت بالتواتر، وشكك بعضهم على الفريقين معا - من أثبت ومن نفى -، وقال: القرآن لا يثبت بالظن.
وشرطه القطع في الجانبين. ولم أر أحدا ممن تكلم على هذه المسألة جنح إلى القول بالقطع والتواتر؛ بل كلهم يعرفون بأنها ظنية، حتى قال القاضي تاج الدين ابن السبكي في «رفع الحاجب»: «لا يرتاب في أن حكمنا أنها من القرآن دون حكمنا على آية الكرسي ونحوها». PageV01P020
وقال في موضع آخر على وجه المعارضة لابن الحاجب: «نحن لا ندعي تواتر البسملة الآن، فإن نحن لم نثبتها، إنما المثبت إمامنا الشافعي، فلعلها تواترت عنده، ورب متواتر عند قوم دون آخرين وفي وقت دون آخر».
أقول: الذي أعتقده ولا أرتاب فيه: أن البسملة من باب القطع إثباتا ونفيا، لا من باب الظن. وإنها على إثباتها يحكم بكونها قرآنا كحكمنا على آية الكرسي ونحوها سواء من غير تفاوت.
وهذا الكلام وإن لم تألفه النفوس، فكونها قطعية الإثبات هو أحد الوجهين لأصحابنا، كما هو محكي في «شرح المهذب» وغيره.
وإن يستغرب ذلك إنما يستغرب الحكم بالقطع على جهتي الإثبات والنفي معا، فهو كالجمع بين النقيضين - ولا غرابة في ذلك -، فقد أشار إليه بعض المتأخرين من القراء، كما سأنقل عبارته.
وتحرير القول في ذلك: أن القرآن نزل على سبعة أحرف، PageV01P021 ونزل مرات متكررة كما بينته في كتاب «الإتقان». فنزل في بعضها بزيادة وفي بعضها بنقص:
كقراءة: {ملك} و(ملك).
و(تجري تحتها) و{من تحتها} في براءة.
و{فإن الله هو الغني الحميد} و(فإن الله الغني) في سورة الحديد.
فلا يشك ولا يرتاب في أن القرآن في إثبات (الألف) و(من) و(هو) متواتر، وأن ميزان الإثبات والحذف في ذلك سواء. PageV01P022
وكذلك نقول في البسملة: أنها نزلت في بعض الأحرف ولم تنزل في بعضها، فإثباتها قطعي وحذفها قطعي، وكل متواتر، وكل في السبعة، فإن بعض القراء السبعة قرأوا بها، وبعضهم قرأوا بحذفها، وقراءات السبعة كلها متواترة. فمن قرأ بها فهي ثابتة في حرفه متواترة إليه، ومن قرأ بحذفها فحذفها في حرفه متواتر إليه.
وألطف من ذلك أن نافعا له روايتان: قرئ أحدهما عنه بها، والآخر بحذفها، فدل على أن الأمرين تواترا عنده، بأن قرأ بالحرفين معا بإسنادين، أو لأسانيد متعددة.
وبهذا التقرير ينجلي الإشكال عن الأمرين ويتضح كلا الطرفين، ولا يستغرب الإثبات ممن أثبت، ولا النفي ممن نفى. PageV01P023
وقد أشار إلى شيء مما ذكرته أستاذ القراء الإمام شمس الدين ابن الجزري، فقال في كتابه «النشر» بعد أن حكى في البسملة خمسة أقوال: قلت: وهذه الأقوال ترجع إلى النفي والإثبات، والذي نعتقده أن كليهما صحيح وأن كل ذلك حق، فيكون الاختلاف فيها كاختلاف القراء. هذا لفظه. PageV01P024
فصل
إذا تقرر ما ذكرته، فقد نتج لي منه بحث لا يسمعه شافعي فيقبله، ولا يصغي إليه بأذنه، وربما عد ذلك من الهذيان، وربما ارتقى إلى غير ذلك من العبارات، و«ليس الخبر كالعيان»، وأذكره ولا علي: إما عالم له ذوق وعنده تحقيق فيعترف بصحته، أو يجيب عنه بقدح قريحته. وإما جاهل فلا عبرة بالجاهلين، أو جامد قاصر فدعه ينعق مع الناعقين.