النص المحقق PageV01P021
PageV01P022
[افتتاحية الكتاب]
الحمد لله على آلائه (1) الجمة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة تزيح كل كرب وغمة. وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ووسوله، الذي أنار بشريعته البيضاء حلك الليالي المدلهمة، صلى الله عليه وسلم وعلى آله (وصحبه) (2) المخصوصين بعلو الهمة.
هذا الكتاب الثالث مما وعدت بوضعه على الكتب الستة، وهو تعليق على سنن أبي داود على نسق (3) ما علقته على الصحيحين، لخصت فيه معالم السنن للإمام أبي سليمان الخطابي، وضممت إليه الفوائد الزوائد، والفرائد الشواود، وسميته: "مرقاة الصعود إلى سنن أبي داود". جعله الله مقرونا بالإخلاص، مشمولا بالقبول، نافعا يبلغ من خيري الدنيا والآخرة أعظم مأمول.
************* PageV01P023 PageV01P024
مقدمة
قال أبو داود في رسالته إلى أهل مكة:
"سلام عليكم، فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، وأسأله أن يصلي على محمد عبده ورسوله - صلى الله عليه وسلم - كلما ذكر، أما بعد:
عافانا الله وإياكم عافية لا مكروه معها، ولا عقاب بعدها، فإنكم سألتموني أن أذكر (1) لكم الأحاديث التي في كتاب السنن أهي أصح ما عرفت (في الباب) (2)، ووقفت على جميع ما ذكرتم، فاعلموا (3) أنه كذلك كله، إلا أن يكون قد روي من وجهين صحيحين وأحدهما أقوى إسنادا والآخر صاحبه أقدم في الحفظ، فربما كتبت ذلك، ولا أرى في كتابي من هذا عشرة أحاديث. ولم أكتب في الباب إلا حديثا أو حديثين، وإن كان في الباب أحاديث صحاح فإنه يكثر، وإنما أردت قرب منفعته.
وإذا أعدت الحديث في الباب من وجهين وثلاثة فإنما هو من زيادة كلام فيه، وربما فيه كلمة زائدة على الأحاديث، وربما اختصرت الحديث الطويل لأني لو كتبته بطوله لم يعلم بعض من سمعه ولا يفهم موضع الفقه منه فاختصرته لذلك. PageV01P025
وأما المراسيل فقد كان يحتج لها العلماء فيما مضى مثل سفيان الثوري ومالك والأوزاعي، حتى جاء الشافعي فتكلم فيه وتابعه على ذلك أحمد بن حنبل وغيره، فإذا لم يكن المسند ضد المراسيل، ولم يوجد المسند فالمرسل يحتج به (1)، (وليس هو مثل المتصل في القوة) (2).
وليس في كتاب السنن الذي صنفته عن رجل متروك الحديث شيء، وإذا كان فيه حديث منكر بينت أنه منكر وليس على نحوه في الباب غيره.
وهذه الأحاديث ليس منها (3) في كتاب ابن المبارك ولا كتاب وكيع إلا الشيء اليسير، وعامة ما في كتاب هؤلاء مراسيل، وفي كتاب السنن من موطأ مالك بن أنس شيء صالح، وكذلك في مصنفات حماد بن سلمة وعبد الرزاق. وليس ثلث هذه الكتب مما أحسبه في كتب جميعهم، أعني مصنفات مالك وحماد بن سلمة وعبد الرزاق.
وقد ألفته نسقا على ما وقع عندي، فإن ذكر لك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - سنة ليس فيما خرجته (4)، فاعلم أنه حديث واه إلا أن يكون في كتابي من طريق آخر، فإني لم أخرج الطرق لأنه يكثر على المتعلم.
ولا أعرف أحدا جمع على الاستقصاء غيري، وكان الحسن بن علي الخلال قد جمع منه قدر تسعمائة حديث، [وذكر أن ابن المبارك قال: السنن عن النبي - صلى الله عليه وسلم - نحو تسعمائة حديث] (5)، فقيل له: إن أبا يوسف قال: هي ألف ومائة حديث، قال ابن المبارك: أبو يوسف يأخذ بتلك الهنات من ههنا وههنا نحو الأحاديث الضعيفة. PageV01P026