مقدمة
...
بسم الله الرحمن الرحيم:
الحمد لله الذي خص هذه الأمة المحمدية، بما ادخر لها من الفضائل السنية، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خير البرية.
وبعد.
فقد ذكر الأستاذ شمس الدين ابن القيم في كتاب الهدي ليوم الجمعة خصوصيات بضعا وعشرين1، خصوصية. وفاته أضعاف ما ذكر، وقد رأيت استيعابها في هذه الكراسة منبها على أدلتها على سبيل الإيجاز، وتتبعتها فتحصلت منها على مائة خصوصية، والله الموفق. PageV01P005
الخصوصية الأولى: أنه عيد هذه الأمة
(1) أخرج ابن ماجه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن هذا يوم عيد، جعله الله للمسلمين، فمن جاء إلى الجمعة فليغتسل، وإن كان طيب فليمس منه، وعليكم بالسواك".
(2) وأخرج الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في جمعة من الجمع: "معاشر المسلمين إن هذا يوم جعله الله لكم عيدا، فاغتسلوا وعليكم بالسواك". PageV01P007
الخصوصية الثانية: أنه يكره صومه منفردا
(3) لحديث الشيخين، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: PageV01P008
"لا يصومن أحدكم يوم الجمعة إلا أن يصوم قبله أو بعده".
(4) وأخرجا عن جابر قال: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم الجمعة.
(5) وأخرج البخاري عن جويرية أم المؤمنين رضي الله عنها أن PageV01P009
()
النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها يوم الجمعة وهي صائمة، فقال: "أصمت، فقالت: لا، قال: أتريدين أن تصومي غدا؟ قالت: لا. قال: فافطري".
(6) وأخرج الحاكم عن جنادة بن أبي أمية الأزدي، قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من الأزد يوم الجمعة، فدعانا إلى طعام بين يديه فقلنا: إنا صيام، قال: "أصمتم أمس قلنا: لا، قال: أفتصومون غدا قلنا: لا، قال: فافطروا ثم قال: لا تصوموا يوم الجمعة منفردا".
(7) وأخرج مسلم عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "لا تخصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي، ولا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام، إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم". PageV01P011
قال النووي: الصحيح من مذهبنا وبه قطع الجمهور كراهة صوم يوم الجمعة منفردا، وفي وجه أنه لا يكره إلا لمن لو صامه منعه من العبادة وأضعفه لحديث:
(8) أحمد والترمذي والنسائي وغيرهم عن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قلما كان يفطر يوم الجمعة.
وأجاب الأول عنه بأنه صلى الله عليه وسلم كان يصوم الخميس، فوصل الجمعة به.
واختلف في الحكمة التي كره الصوم لأجلها، والصحيح كما قال النووي أنه كره؛ لأنه يوم شرع فيه عبادات كثيرة من الذكر والدعاء والقراءة والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، فاستحب فطره ليكون أعون على أداء هذه الوظائف بنشاط من غير ملل ولا سآمة، وهو نظير الحاج بعرفات، فإن الأولى له الفطر لهذه الحكمة.
قال: فإن قيل لو كان كذلك لم تزل الكراهة بصوم قبله أو بعده لبقاء المعنى المذكور، فالجواب أنه يحصل له بفضيلة الصوم الذي قبله أو بعده ما يجبر ما قد يحصل من فتور، أو تقصير في وظائف يوم الجمعة بسبب صومه.
وقيل الحكمة خوف المبالغة في تعظيمه بحيث يفتتن به كما افتتن بالسبت، قال: وهذا باطل منتقض بصلاة الجمعة، وسائر ما شرع فيه من أنواع الشعائر، والتعظيم مما ليس في غيره.