باب إنك لمن المرسلين
قال أبو نعيم ومن خصائصه أن الله تعالى أقسم على رسالته فقال {يس والقرآن الحكيم إنك لمن المرسلين}
باب جمعه صلى الله عليه وسلم بين القبلتين والهجرتين
ومن خصائصه أنه جمع بين القبلتين والهجرتين وأنه جمعت له الشريعة والحقيقة ولم يكن للأنبياء إلا إحداهما بدليل قصة موسى مع الخضر وقوله إني على علم من علم الله لا ينبغي لك أن تعلمه وأنت على علم من علم الله لا ينبغي لي أن أعلمه
وقد كنت قلت هذا الكلام أولا استنباطا من هذا الحديث من غير أن أقف عليه في كلام أحد من العلماء ثم رأيت البدر بن الصاحب أشار إليه في تذكرته ووجدت من شواهده حديث السارق الذي أمر بقتله والمصلي الذي أمر بقتله وقد تقدم في باب المغيبات
زيادة إيضاح لهذا الباب
فقد أشكل فهمه على قوم ولو تأملوا لاتضح لهم المراد بالشريعة والحكم بالظاهر وبالحقيقة الحكم الباطن وقد نص العلماء على أن غالب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بعثوا ليحكموا بالظاهر دون ما اطلعوا عليه من بواطن الأمور وحقائقها وبعث الخضر عليه السلام ليحكم بما اطلع عليه من بواطن الأمور وحقائقها ولكن الأنبيا لم يبعثوا بذلك أنكر موسى عليه قتله الغلام وقال له {لقد جئت شيئا نكرا} لأن ذلك خلاف الشرع فأجابه بأنه أمر بذلك وبعث فقال وما فعلته عن أمري وهذا معنى قوله له إنك على علم إلى أخره
قال الشيخ سراج الدين البلقيني في شرح البخاري المراد بالعلم التنفيذ والمعنى لا ينبغي لك أن تعلمه لتعمل به لن العمل به مناف لمقتضى الشرع ولا ينبغي أن اعلمه فاعمل بمقتضاه لأنه مناف لمقتضى الحقيقة قال فعلى هذا لا يجوز للولي التابع للنبي صلى الله عليه وسلم إذا اطلع على حقيقة أن ينفذ ذلك بمقتضى الحقيقة وإنما أن ينفذ الحكم الظاهر انتهى
وقال الحافظ ابن حجر في الأصابه قال أبو حيان في تفسيره الجهور على أن الخضر نبي وكان علمه معرفة بواطن أوحيت إليه وعلم موسى الجكم الظاهر فأشار إلى أن المراد في الحديث بالعلمين الحكم بالباطن والحكم بالظاهر لا أمر آخر
وقد قال الشيخ تقي الدين السبكي إن الذي بعث به الخضر شريعة له فالكل شريعة
وأما نبينا صلى الله عليه وسلم فإنه أمر أولا أن يحكم بالظاهر دون ما اطلع عليه من الباطن والحقيقة كغالب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ولهذا قال نحن نحكم بالظاهر وفي لفظ إنما اقضي بالظاهر والله يتولى السرائر وقال غنما أقضي بنحو ما اسمع فمن قضيته له بحق آخر فإنما هي قطعة من النار وقال للعباس أما ظاهرك فكان علينا وأما سريرتك فإلى الله
وكان يقبل عذر المتخلفين عن غزوة تبوك ويكل سرائرهم إلى الله وقال في تلك المرأة لو كنت راجما أحدا من غير بينة لرجمتها وقال أيضا لولا القرآن لكان لي ولها شأن فهذا كله صريح في أنه يحكم بظاهر الشرع بالبينة أو الإعتراف دون ما اطلعه الله عليه من بواطن الأمور وحقائقها ثم أن الله تعالى زاده شرفا وأذن له أن يحكم بالباطن وما اطلع عليه من حقائق المور فجمع له بين ما كان للأنبياء وما كان للخضر خصوصية خصه الله بها ولم يجمع الأمران لغيره
وقد قال القرطبي في تفسيره أجمع العلماء على بكرة أبيهم أنه ليس لأحد أن يقتل بعلمه إلا النبي صلى الله عليه وسلم وشاهد ذلك حديث المصلي والسارق الذين أمر بقتلهما فإنه اطلع على باطن أمرهما وعلم منهما ما يوجب القتل ولو تفطن الذين لم يفهموا إلى إستشهادي بهذين الحديثين في آخر الباب لعرفوا ان المراد الحكم بالظاهر والباطن فقط لا شيء آخر لا يقوله مسلم ولا كافر ولا مجانين المارستان