فائدة في ان رسالة النبي صلى الله عليه وسلم عامة لجميع الخلق والانبياء واممهم كلهم من امته
قال الشيخ تقي الدين السبكي في كتابه التعظيم والمنة في {لتؤمنن به ولتنصرنه} في هذه الآية من التنويه بالنبي صلى الله عليه وسلم وتعظيم قدره العلي ما لا يخفي وفيه مع ذلك انه على تقدير مجيئه في زمانهم يكون الأمر مرسلا إليهم فتكون نبوته
ورسالته عامة لجميع الخلق من زمن آدم إلى يوم القيامة وتكون الأنبياء واممهم كلهم من أمته ويكون قوله بعثت إلى الناس كافة لا يختص به الناس من زمانه إلى يوم القيامة بل يتناول من قبلهم أيضا ويتبين بذلك معنى قوله صلى الله عليه وسلم كنت نبيا وآدم بين الروح والجسد وأن من فسره بعلم الله بأنه سيصير نبيا لم يصل إلى هذا المعنى لأن علم الله محيط بجميع الأشياء ووصف النبي صلى الله عليه وسلم بالنبوة في ذلك الوقت ينبغي ان يفهم منه أنه امر ثابت له في ذلك الوقت ولهذا رأى آدم اسمه مكتوبا على العرش محمد رسول الله فلا بد أن يكون ذلك معنى ثابتا في ذلك الوقت ولو كان المراد بذلك مجرد العلم بما سيصير في المستقبل لم يكن له خصوصية بأنه نبي وآدم بين الروح والجسد لأن جميع الأنبياء يعلم الله نبوتهم في ذلك الوقت وقبله فلا بد من خصوصية للنبي صلى الله عليه وسلم لأجلها أخبر بهذا الخبر إعلاما لأمته ليعرفوا قدره عند الله تعالى فيحصل لهم الخير بذلك
قال فإن قلت أريد ان افهم ذلك القدر الزائد فإن النبوة وصف لا بد ان يكون الموصوف به موجودا وإنما يكون بعد بلوغ أربعين سنة أيضا فكيف يوصف به قبل وجوده وقبل إرساله وإن صح ذلك فغيره كذلك
قلت قد جاء ان الله تعالى خلق الأرواح قبل الأجساد فقد تكون الإشارة بقوله كنت نبيا إلى روحه الشريفة او إلى حقيقته والحقائق تقصر عقولنا عن معرفتها وانما يعلمها خالقها ومن امده بنور الهي ثم ان تلك الحقائق يؤتي الله كل حقيقة منها ما يشاء في الوقت الذي يشاء فحقيقة النبي صلى الله عليه وسلم قد تكون من قبل خلق آدم آتاه الله ذلك الوصف بأن يكون خلقها متهيئة لذلك وأفاضه عليها من ذلك الوقت فصار نبيا وكتب اسمه على العرش وأخبر عنه بالرسالة ليعلم ملائكته وغيرهم كرامته عنده فحقيقته موجودة من ذلك الوقت وإن تأخر جسده الشريف المتصف بها واتصاف حقيقته بالاوصاف الشريفة المفاضة عليه من الحضرة الالهية وانما يتأخر البعث والتبليغ وكل ما له من جهة الله تعالى ومن جهة تأهل ذاته الشريفة وحقيقته معجل لا تأخير فيه وكذلك استنباؤه وايتاؤه الكتاب والحكم والنبوة وإنما المتأخر تكونه
وتنقله إلى ان ظهر صلى الله عليه وسلم وغيره من أهل الكرامة قد تكون افاضة الله تعالى تلك الكرامة عليه بعد وجوده بمدة كما يشاء سبحانه ولا شك ان كل ما يقع فالله عالم به من الازل ونحن نعلم علمه بذلك بالادلة العقلية والشرعية ويعلم الناس منها ما يصل اليهم عند ظهوره كعلمهم نبوة النبي صلى الله عليه وسلم حين نزل عليه القرآن في أول ما جاءه جبريل وهو فعل من افعاله تعالى من جملة معلوماته ومن آثار قدرته وإرادته واختياره في محل خاص يتصف بها فهاتان مرتبتان الأولى معلومة بالبرهان والثانية ظاهرة للعيان وبين المرتبتين وسائط من أفعاله تعالى تحدث على حسب اختياره منها ما يظهر لهم بعد ذلك ومنها ما يحصل له كمال لذلك المحل وان لم يظهر لأحد من المخلوقين وذلك ينقسم إلى كمال يقارن ذلك المحل من حين خلقه وإلى كما يحصل له بعد ذلك ولا يصل علم ذلك الينا إلا بالخبر الصادق والنبي صلى الله عليه وسلم خير الخلق فلا كما لمخلوق اعظم من كماله ولا محل أشرف من محله فعرفنا بالخبر الصحيح حصول ذلك الكمال من قبل خلق آدم لنبينا صلى الله عليه وسلم من ربه سبحانه وانه أعطاه النبوة من ذلك الوقت ثم اخذ له المواثيق على الانبياء ليعلموا انه المقدم عليهم وانه نبيهم ورسولهم وفي اخذ المواثيق وهي في معنى الاستخلاف ولذلك دخلت لام القسم في {لتؤمنن به ولتنصرنه} الآية