وصلى الله على سيدنا. محمد وآله وسلم.
الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى:
سئل والدي
(1)، رحمه الله تعالى، عن العمر، هل يزيد وينقص من الولادة إلى الموت ومن الموت إلى البعث؟ وما تفسير قوله تعالى: {. . . ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده ثم أنتم تمترون}، وقوله تعالى: {يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب}، وقوله تعالى: {وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب إن ذلك على الله يسير}. PageV01P010
فأجاب رحمه الله تعالى، وقال:
الأجل مقدر من الأزل، لا يزيد ولا ينتقص، ولا يتقدم ولا يتأخر، تظاهرت على ذلك جمل من الآيات الشريفة، والأحاديث الصحيحة، وأقاويل العلماء.
فمن الآيات الدالة على ذلك قوله سبحانه وتعالى: {وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا}.
وقوله جل وعلا: {فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون}، وقوله تعالى: {ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها}، وقوله جلت عظمته: {إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر}.
ومن الأحاديث الصحيحة ما رواه ابن مسعود: أن أم حبيبة، رضي الله عنها، زوج النبي صلى الله عليه وسلم، قالت: اللهم متعني بزوجي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبأبي سفيان، وبأخي معاوية، فقال: رسول الله (صلى الله عليه وسلم): قد سألت الله عز وجل لآجال مضروبة، وأيام معدودة، وأرزاق مقسومة، ولن يعجل الله شيئا قبل حله، أو يؤخر شيئا عن حله، ولو كنت سألت الله تعالى أن يعيذك من عذاب النار أو عذاب في القبر كان خيرا وأفضل.
ومنها ما روي أيضا: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يدخل الملك على النطفة
بعد ما تستقر في الرحم بأربعين أو خمس وأربعين ليلة، فيقول: يا رب، أشقي أو سعيد؟ فيكتبان، فيقول: أي رب، أذكر أو أنثى؟ فيكتبان، ويكتب عمله وأثره وأجله ورزقه، ثم تطوى الصحف، فلا يزاد فيها ولا ينقص.
ومن طريق آخر: ثم يخرج الملك فلا يزيد على ما أمر ولا ينقص.
وأما ما روي في الصحيح. من قوله صلى الله عليه وسلم: من أحب أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في عمره، فليصل رحمه، فقد أجاب العلماء عنه بأجوبة أصحها: أن هذه الزيادة بركة في عمره بالتوفيق والطاعات، وعمارة أوقاته بما ينفعه في الآخرة، وصيانتها من الضياع في غير ذلك.
والثاني: أنها بالنسبة إلى ما يظهر للملائكة، وفي اللوح المحفوظ، فيظهر لهم أو في اللوح، أن عمره ستون سنة، إلا أن يصل رحمه، فإن وصلها زيد له أربعون. وقد علم الله ما سيقع له من ذلك علما أزليا، وهو معنى قوله: {يمحو الله ما يشاء ويثبت}.
وبالنسبة إلى علم الله تعالى، وما سبق به قدره، لا زيادة ولا نقص، بل هما مستحيلان.
والثالث: أن المراد بقاء ذكره الجميل، فكأنه لم يمت.
وأما قوله تعالى: {ثم قضى أجلا وأجل مسمى}، فذكر المفسرون فيها وجوها: أحدهما: أن الأجل الأول أجل الموت، والأجل المسمى عنده أجل القيامة.
وثانيها: أن الأول ما بين الخلق إلى الموت، والثاني ما بين الموت إلى البعث؛ فإن الأجل كما يطلق لآخر المدة يطلق لمدتها.
والثالث: أن الأول النوم، والثاني الموت.
والرابع: أن الأول لمن مضى، والثاني لمن بقي ولمن يأتي.
وأما قوله تعالى: {يمحو الله ما يشاء ويثبت}، ففيه أقاويل كثيرة منها:
أن المعني بقوله: {يمحو الله ما يشاء}؛ أي يوقعه بأهله في وقته، فإنه إذا وقع انقضى، فيسمى ذلك محوا، ومعنى قوله: {ويثبت}؛ أي يؤخره إلى وقته.