هل القضاة أول من يدعى للحساب؟
(139) وأخرج الدينوري في المجالسة عن محمد بن رافع قال: "بلغني أن أول من يدعى للحساب يوم القيامة القضاة" (36).
(140) وأخرج ابن عساكر عن مكحول قال: "لو خيرت بين القضاء وبين ضرب عنقي لاخترت ضرب عنقي" (37).
(141) وأخرج أبو نعيم في الحلية عن طريق عبد الرزاق عن أبيه قال قلت لوهب بن منبه نرى الرؤيا فتخبرنا بها فلا تلبث أن نراها؟! قال: ذهب ذاك عني منذ وليت القضاء.
قال عبد الرازق: حديث به عن معمر فقال: "والحسن بعد ما ولى القضاء لم يجدوا فهمه" (38). PageV01P087
رجل يحب أن يحشر مع العلماء
(142) وأخرج ابن عساكر عن أبي زرعة الثقفي قال: "عرض يحيى ابن خالد القضاء على عبد الله بن وهب المصري فكتب إليه: إني لم أكتب العلم أريد أن أحشر في زمرة القضاة، ولكني كتبت العلم أريد أن أحشر به في زمرة العلماء" (39).
(143) وقال صاحب المغرب: ذكر في المسهب أن الأمر عبد الرحمن استدعى عبد الملك بن حبيب للقضاء، وقد أعياه أمر القضاء فاستعفى وكتب إليه:
خليفة الله أقلني فما ... أصلح والرحمن للحكم
إما غشوم أو ضعيف فما ... ننقمك في الحالين من أمم
وأنت مأخوذ بذنبي وما ... غيري بنفسي مشبه علمي
فاستحسن الخليفة ذلك وقال:
هكذا يكون الناس، لا قوم تضرب وجوه لهم ضرب غرائب الإبل عن الخطط، وهم يتهافتون عليها تهافت الفراس" (40). PageV01P088
فرار السلف الصالح من القضاء
(144) وقال الدينوري في المجالسة: حدثنا أحمد بن عيسى وعلي بن عبد العزيز عن أبي عبيد القاسم بن سلام حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن أيوب السختياني قال:
لما مات عبد الرحمن بن أذينة، ذكر أبو قلابة للقضاء فهرب حتى أتى اليمامة. قال أيوب: فلقيته بعد ذلك فقال: ما وجدت مثل القاضي العالم إلا مثل رجل وقع في بحر فما سعى أن يسبح حتى يغرق (41).
(145) أخرجه ابن سعد في الطبقات (42).
(146) وفي كتاب عقلاء المجانين بسنده عن محمد بن يحيى البصري قال: دعا المنصور أبا حنيفة والثوري ومسعرا وشريكا ليوليهم القضاء، فقال أبو حنيفة: أتحامق فيكم تحميقا، أما أنا فأحتال فأخلص.
وأما مسعر فيتجاني فيخلص، وأما سفيان فيهرب.
وأما شريك فيقع، فلما دخلوا عليه، قال أبو حنيفة: أنا رجل مولى، ولست من العرب، ولا تكاد العرب ترضى بأن أكون عليهم مولى، ومع ذلك PageV01P089
فإني لا أصلح لهذا الأمر، فإن كنت صادقا في قولي فلا أصلح له، وإن كنت كاذبا فلا يجوز لك أن تولى كاذبا دماء المسلمين وفروجهم.
وأما سفيان فأدركه المشخص في طريقه فذهب لحاجته، وانصرف ينتظر فراغه، فبصر سفيان بسفينة فقال للملاح: إن مكنتني من سفينتك، وإلا أذبح بغير سكين تأول قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من جعل قاضيا فقد ذبح بغير سكين" (43).
فأخفاه الملاح تحت السارية (44).
وأما مسعر فدخل على المنصور فقال له: هات يدك كيف أنت، وأولادك، ودوابك؟ فقال: أخرجوه فإنه مجنون.
وأما شريك فقال له المنصور: تقلد القضاء. قال: أنا رجل خفيف الدماغ. قال: تقلد وعليك العصيد والنبيذ الشديد حتى يرجح عقلك فتقلد، فهجره الثوري، وقال: أمكنك الهرب فلم تهرب (45).
(147) وفيه أيضا بسنده عن يونس بن عبد الأعلى الصدفي قال: كتب الخليفة إلى عبد الله بن وهب في قضاء مصر، فتجنن نفسه، ولزم بيته، فأطلع عليه راشد بن سعيد، وهو يتوضأ في صحن داره فقال: أبا محمد، ألا تخرج بين الناس فتحكم بينهم بكتاب الله وسنة رسوله، وقد جننت نفسك، ولزمت نفسك بيتك، فرفع إليه رأسه، وقال: إلى هنا انتهي عقلك أما علمت أن العلماء يحشرون مع الأنبياء والمرسلين، والقضاة يحشرون مع السلاطين" (46). PageV01P090