فليتأمل أيضا عدم استبعاده في إبدال الحروف بعضها من بعض أن يكون الأصل: أبدلتك هذا الحرف بهذا الحرف، وإنه لبعيد. والذي لا يبعد في ذلك الغرض أن يقدر أبدلت الكلمة هذا الحرف في هذا الآخر، لأن الكلمة هي محل التعاقب، وهذا الوجه الذي أشار إليه هو الذي طرقت احتماله إلى ما جاء من بدل أو أبدل مع الباء داخلة على العوض الذاهب في الوجه الثاني كما سبق.
وهنا انتهى القول في المسألة، والحمد لله وحده. PageV00P000
رجع السيوطي إلى حديث سؤال القبر
قوله (فذكر لنا أنه يفسح له في قبره سبعون ذراعا) i
قلت: كذا في الرواية "سبعون" بالواو، على أنه النائب عن الفاعل. قال الشيخ بهاء الدينii في التعليقة: "إذا اجتمع فضلات وليس فيها مفعول مسرحiii، اختلف النحاة فيها، فمنهم من قال: يجوز إقامة أيها شئت على السواء، ومنهم من قال برجحان بعضها. ثم اختلفوا؛ فقال المغاربة وبعض المشارقة المصدر المختص أرجح، وعللوه بأن الفعل وصل إليه بنفسه، ولا كذلك المفعول المقيد". وقال ابن معطiv: "المفعول المقيد أولى ثم بعده المصدر. ثم لم يتعرضوا لما بعد ذلك. والذي ظهر لي أن الأولى إقامة المفعول المقيد، ثم ظرف المكان، ثم ظرف الزمان، ثم المصدر المختص. وذلك المفعول المقيد لا يحتاج إلى مجاز في كونه مفعولا به، وغيره يحتاج إلى التوسع فيه بجعله مفعولا، فكان المفعول المقيد أولى من غيره لذلك". انتهى.
وقال الطيبي: "الأصل يفسح له قبره مقدار سبعين ذراعا، فجعل القبر ظرفا للسبعين، وأسند الفعل إلى سبعين مبالغة"v.
قوله (فيقال له: لا دريت ولا تليت) vi.
قال أبو البقاء: "لا دريت " بفتح الراء لا غير، من درى يدري، مثل رمى يرمي"vii. انتهى.
وقال الخطابي: "قوله "ولا تليت" هكذا يرويه المحدثون، وهو غلط، والصواب "ولا ائتليت" على وزن افتعلت، من قولك ما ألوت هذا الأمر، أي ما استطعته"viii. PageV00P000
وقال صاحب الفائق: "معناه ولا اتبعت الناس بأن تقول شيئا يقولونه، وقيل لا قرأت، فقلبت الواو ياء للمزاوجةi"ii
وقال ابن بطال: "الكلمة من بنات الواو، لأنها من تلاوة القرآن، لكنها لما كانت مع "دريت" تكلم بها بالياء ليزدوج الكلام، ومعناه الدعاء عليه، أي لا كنت داريا ولا تاليا". وقال ابن بريiii: "من روى "تليت" فأصله "ائتليت" بالهمز، فحذفت تخفيفا، فذهبت همزة الوصل، وسهلت لمزاوجة "دريت".
وقال الطيبي: "يجوز أن يكون من قولهم: تلا فلان تلو غير عاقل، إذا عمل عمل الجهال، أي لا علمت ولا جهلت، يعني هلكت فخرجت من القبيلين"iv.
وقال الجوهرى: "اتلت الناقة إذا تلاها ولدها. ومنه قولهم: لا دريت ولا أتليت، يدعو عليه بأن لا تتلى إبله، أي لا يكون لها أولاد"v.
وقال الأزهرى: "يروى "ولا ائتليت " يدعو عليه"vi.
وفي فتح الباري: "قال ثعلب "ولا تليت" أصله تلوت، أي لا فهمت ولا قرأت القرآن. والمعنى لا دريت ولا اتبعت من يدري. وإنما قاله بالياء لمؤاخاة "دريت"vii.
وقال ابن السكيتviii: "قوله "ولا تليت" إتباع ولا معنى له. وقيل صوابه "ولا ائتليت " بزيادة همزة قبل المثناة بوزن افتعلتix [من قولهم: ما ألوت أي ما استطعت، حكى ذلك عن الأصمعي] وبه جزم الخطابي. PageV00P000
وقال الفراء: "أي قصرت، كأنه قيل: لا دريت ولا قصرت في طلب الدراية، ثم أنت لا تدري".