وفصيح الكلام، وهو الأحق والأجدر ببلاغة الرسول صلى الله عليه وسلم. ولعل من روى "فيقعدانه" ظن أن اللفظين ينزلان من المعنى منزلة واحدة. ومن هذا الوجه أنكر كثير من السلف رواية الحديث بالمعنى، خشية أن يزل في الألفاظ المشتركة فيذهب عن المعنى المراد جانبا". انتهىi
قوله: "قد بدلك الله به مقعدا في الجنة".
فيه دخول الباء على المتروك، واشتهر أنه المعروف لغة. PageV00P000
رأي أبي حيان في دخول الباء على المتروك
قال أبو حيان في شرح التسهيل: "هذه المسألة غلط فيها كثير من المصنفين في العلوم، ومن الشعراء، فيدخلون الباء على مالا يصح دخولها عليه في لسان العرب، وينصبون ما تدخل عليه في لسان العرب، ففي المنهاج لأبي زكريا النووي: "ولو أبدل ضادا بظاء لم يصح في الأصح"1. يعني في قوله: {ولا الضالين} 2 ولو جرى كلامه على اللسان العربي لقال: "ولو أبدل ظاء بضاد" أي جعل بدل الضاد ظاء، فالمنصوب هو الذي يصير عوضا، وما دخلت عليه الباء هو الذي يكون معوضا منه.
وهذا جار في هذه المادة من أبدل وبدل وتبدل، المنصوب هو المعوض الحاصل، وما دخلت عليه الباء هو المعوض منه الذاهب. فإذا قلت: أبدلت دينارا بدرهم، فمعناه PageV00P000
اعتضت دينارا عوض الدرهم، فالدينار هو الحاصل المعوض، والدرهم هو الخارج عنك المعوض منه. وهذا عكس ما يفهم العامة، وكثير ممن يعاني العلوم. وعلى ما ذكرناه جاء كلام العرب، قال الشاعر:
تضحك مني أخت ذات النحيينi.
أبدلك الله بلون لونين
سواد وجه وبياض عينين
ألا ترى كيف أدخل على المعوض منه الباء، وهو قوله "بلون" ونصب "لونين" وهو المعوض. وقال تعالى: {ومن يتبدل الكفر بالإيمان} ii. وقال تعالى: {وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط وأثل} iii وقال تعالى: {أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير} iv وقال تعالى: {وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم} v أي يستبدل بكم قوما غيركم. وقال تعالى: {عسى ربنا أن يبدلنا خيرا منها} vi تقديره: أن يبدلنا بها خيرا منها، فحذف "بها" أي بالجنة التي طيف بها. وقال تعالى: {فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة} vii أي يبدلهما به.
وعلى هذا نظم علماء الشعراء، قال أبو تمام viii:
تبدل غاشيه بريم مسلم
تردى رداء الحسن وشيا منمنما
وبالحلي إن قامت ترنم فوقها
حماما إذا لاقى حماما ترنما
وبالخدلة الساق المخدمة الشوى
قلائص يتلون العبنى المخدماix PageV00P000
وقد يجوز حذف حرف الجر لدلالة المعنى على العوض والمعوض منه، قال تعالى: {فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات} i أي بسيئاتهم حسنات. وقال تعالى: {فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم} ii وقال تعالى: {يوم تبدل الأرض غير الأرض} iii أي بغير الأرض.
وقد يقع موقع الباء التي تدخل على المعوض منه "بعد" وهي دالة على سبق المعوض منه وذهابه بالعوض، قال الشاعر:
وبدلت قرحا داميا بعد
صحة لعل منايانا تحولن أبؤساiv
معناه: وبدلت قرحا داميا بعد صحة أي عوضت بدل الصحة قرحا.
وأصل أبدل وبدل أن يتعدى لاثنين منصوبين ولثالث بالباء، ألا ترى كيف صرح بذلك في قوله:
أبدلك الله بلون لونين
وفي قوله: {وبدلناهم بجنتيهم جنتين} v
وقد جرت عادة النحويين أن يقولوا: "أبدلت كذا بكذا" ولا يذكرون المفعول الأول، وأيضا فليس المعنى عليه، لأنك إذا قلت: أبدلت هذا الحرف بهذا الحرف، لا يريدون أبدلتك هذا الحرف بهذا الحرف، على أنه لا يبعد أن يكون أصله هكذا، ثم حذف المفعول الأول، وكثر حذفه في اصطلاحهم حتى صار نسيا لا يراد معناه بوجه. انتهى. PageV00P000